رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

إيران وحيرة أمريكا والسعودية

احمد عز العرب

الخميس, 13 أكتوبر 2011 17:27
بقلم - أحمد عزب العرب:

عرضنا فى الحلقة السابقة الموقف العسير الذى تواجهه أمريكا وكلب حراستها الإسرائيلى حيال عجزها عن إرغام إيران على إيقاف برنامجها النووى وتحولها إلى قوة كبرى إقليمية، خصوصاً بعد تفجر الثورات العربية ونجاح الثورة الشعبية فى كل من مصر وتونس، وكما أوضح ريفا بللا الذى عرضنا الجزء الأول من تقريره المنشور على موقع ستارفور فى 19 يوليو الماضى، فإن موقف السعودية غاية فى الصعوبة والشعور بالقلق العميق من تصاعد النفوذ الإيرانى فى منطقة الخليج خصوصاً سيطرتها على النفوذ السياسى فى العراق فى ظل حكومته الشيعية الحالية، ولذلك تحاول السعودية الوصول لتفاهم مع إيران، خاصة إزاء الوضع المتدهور فى البحرين، وفى الوقت نفسه تحاول السعودية حشد جبهة سنية ضد إيران حتى لا يفاجئها كابوس إيرانى فى صورة ثورة شيعية تمتد من البحرين حتى المنطقة الشرقية من السعودية التى يتركز فيها شيعة السعودية والتى تضم أغنى حقول النفط السعودية.

وفى هذه الحلقة الثانية والأخيرة يعرض بللا المخاطر الهائلة التى تواجهها السعودية وكيفية مواجهتها لها، يقول بللا إن الهلع السعودى يفسر رد الفعل السريع للسعودية بإرسال قواتها مع قوات دويلات الخليج لسحق الثورة الشيعية فى البحرين فهذا التدخل العسكرى نادر تماماً من جانب السياسة السعودية التى تتسم دائماً بالحرص الشديد، وجدت السعودية نفسها مضطرة لمواجهة مخطط إيرانى واسع المدى لزعزعة نظم الحكم فى الخليج من وجهة نظر سعودية، لقد هدأت المظاهرات حالياً فى البحرين عما كانت فى منتصف مارس خلال قمة الأزمة ولكن قلق مجلس التعاون الخليجى لم يهدأ، فرغم المحاولات الفاترة للحوار الوطنى فإن التمرد الشيعى فى هذه المنطقة سيستمر، وهذه حقيقة تستطيع إيران استغلالها فى المدى الطويل من خلال قدراتها المتطورة.
وعندما رأينا فى يونيو استعداد السعودية لخفض وجودها العسكرى فى البحرين كان الإيرانيون يكمَّحون فى الصحف المحلية بالرغبة فى الحوار مع السعودية، وقد كشفت مصادرنا خطوات المفاوضات الإيرانية السعودية، وحتى نفهم دوافع السعودية علينا إدراك مفهوم السعودية للوضع الأمريكى الحالى فى المنطقة فلا يستطيع السعوديون الثقة الكاملة فى دوافع أمريكا، فوضع أمريكا فى العراق قلق، ولا تستبعد السعودية محاولة تفاهم أمريكية وإيرانية تترك السعودية فى العراء، فمصالح أمريكا الأساسية فى المنطقة ثلاث أساسية هى ضمان وتدفق النفط من خلال مضيق هرمز وخفض عدد قواتها التى تحارب مسلمين وسني لأقصى حد ومحاولة إقامة توازن قوى فى المنطقة، بحيث تمنع أياً من دولها سواء عربية أو فارسية من السيطرة على كل نفط الخليج، ووضع أمريكا مرن فى هذا المجال، فرغم صعوبة التفاهم مع إيران، فليس هناك شىء أساسى يربط أمريكا بالسعودية، فإذا شعرت أمريكا فى المدى القصير بأن موقفها مع إيران ضعيف فليس هناك ما يمنعها من محاولة الوصول لتسوية

مع إيران والنقطة الأولى حالياً فى التفاوض بين أمريكا وإيران هى وضع القوات الأمريكية فى العراق، فإيران تفضل انسحاب كل قوات أمريكا من العراق، رغم خفض أمريكا الكبير لهذه القوات، والمهم لإيران ليس مجرد حجم القوات الأمريكية الباقية بالعراق، ولكن أماكن تمركزها وإمكانية تحويلها سريعاً من قوات تدريب للجيش العراقى إلى قوة محاربة تهدد إيران، أما أمريكا فيهمها تأمين وضع قواتها الحرج وما بقى لها من وجود دبلوماسى فى مواجهة قوة إيران فى المنطقة.
ربما تكون أمريكا مستعدة للاستجابة لطلبات إيران بالنسبة لوجود حكومة عراقية صديق لها ولمصالح إيران النفطية فى الجنوب الشيعى، ولكنها تريد ضمان ألا تتجاوز إيران حدود طموحاتها وتهدد السعودية فى نقطها، ولذلك تحتاج للاحتفاظ بقوة عسكرية توقف إيران عند اللزوم، ويبدو أن ذلك هو سبب عدم وصول أمريكا وإيران لاتفاق حتى الآن، والخوف من الغدر تشعر به كل أطراف هذا النزاع، فلا تطمئن إيران لعدم هجوم أمريكا عليها لو تحررت قوات أمريكا من حرب العراق وأفغانستان، ولا تطمئن أمريكا لعدم طمع إيران فى نفط السعودية، ولا تطمئن السعودية لقيام أمريكا بالدفاع عنها عند اللزوم.
وعندما نجمع كل هذه العناصر معاً نرى أن السعودية لا خيار لها سوى التفاهم مع إيران، وليس معنى ذلك أن يثق السعوديون فى خصمهم الإيرانى التاريخى فالخصومة بينهما سياسية وعقائدية ومنافسة اقتصادية، ولن تزول بمجرد توقيع اتفاق بينهما، ولكنه سيكون اتفاقاً مرحلياً تكتيكياً يحد من نشاط إيران السرى فى تحريض الشيعة بالخليج لحين تمكن حكوماته من إنشاء قوة مقاومة عربية لإيران ولكن إيران ستنظر لمثل هذا الاتفاق كطريق لتفاهم أعمق يعترف بإيران كالقوة المسيطرة بالخليج ويعترف بتوسع منطقة نفوذها، وهو أمر صعب جداً للسعودية، وهذا هو مكمن الصعوبة فى الموقف، فأمريكا تستطيع نظرياً التفاهم مع إيران.
ولكن لتنجح فى ذلك لابد من اعتمادها على قوة السنة الأساسية لإمكان إقامة توازن قوى بالمنطقة، وإذا توصلت القوى السنية الرئيسية لتفاهم مع إيران دون اعتبار لمصالح أمريكا يصبح موقف أمريكا بالمنطقة غاية فى الصعوبة، إذ هل يمكن مثلاً أن توافق السعودية لإيران على تصفية الوجود العسكرى الأمريكى فى المنطقة؟ لقد قال وزير الدفاع الإيرانى صراحة خلال حديث له الأسبوع الماضى، ما نصه: «لقد فشلت أمريكا فى إقامة نظام أمنى كفء بالمنطقة، ولا يمكن إبقاء أساطيل كبيرة بالخليج بصفة دائمة»، ومعنى
هذا الكلام للسعوديين أنهم مضطرون لقبول ملء إيران للفراغ الأمنى بالخليج بدل أمريكا، فمستقبل الأسطول الأمريكى الخامس فى البحرين غير مضمون، فهل تستطيع إيران زرع ما يكفى من الخوف فى جيرانها من عرب الخليج لزعزعة وضع الأسطول الأمريكى الخامس به؟ إن إيران لا تملك حالياً من القوة ما يدفع دول الخليج لطلب سحب الأسطول الأمريكى من مقابل ضمانات إيرانية لأمنهم، ولكن تستطيع السعودية التلويح لأمريكا بالخطر الإيرانى لإجبار أمريكا على مساندة العرب السنة ضد إيران، إن الوضع الحالى يضع إيران فى موقف قوة، فاستثمارها السياسى يعطى نتائج طيبة جداً لها فى العراق، وهى تضع نفسها فى وضع يمكنها من موقف تفاوضى قوى مع أمريكا والسعودية يضمن لها منطقة نفوذ إقليمية، ولكن قوة إيران ليست مضمونة الدوام فى المدى الطويل، إن لديها حالياً مصادر طاقة كبيرة، ولكن عدد سكانها كبير وأرضها جبلية، ولذلك فثمن التطور لها يعنى أنها لن تقوى مستقبلاً مثل منافسيها من العرب، يضاف لذلك أن سكانها من أصل فارسى لا يزيدون إلا قليلاً عن نصف عدد السكان، وتحديات التنمية الاقتصادية ترهق حكامها من الملالى وتحد من قوتها خارج حدودها، والصورة الإقليمية فى المدى الطويل ليست فى صالح إيران، فتركيا فى صعود ولديها قوة عسكرية واقتصادية وسياسية تمكنها من التأثير فى أحداث الشرق الأوسط، والمذهب السنى السائد بها يجعلها الأقرب لأغلبية أهل المنطقة، وكانت تركيا تاريخياً هى القوة التى تحجم القوة الفارسية، ومع أن تركيا ستستغرق وقتاً للعودة لدورها التاريخى إلا أن ديناميكيات هذه العودة أصبحت واضحة تماماً، وتصاعد نفوذها السياسى والاقتصادى والأمنى أصبح محسوساً تماماً، وتعمل تركيا بهدوء على تدعيم نفوذها كقوة سنية ذات نفوذ فى العالم العربى، وبالنسبة لسوريا فرغم أن نظام العلويين الحاكم ليس على وشك السقوط فليس هناك شك فى أن سحب المواجهة بين تركيا وإيران تتجمع على الأفق بالنسبة لمستقبل سوريا، فتركيا لها مصلحة فى بناء نظام سنى راسخ فى سوريا يحل محل حكم العلويين، بينما مصلحة إيران المباشرة هى الحفاظ على الحكم الحالى فى سوريا حتى يكون لها موضع قدم فى الشام.
ولا يبدو حالياً أن تركيا تستعد للمواجهة مع إيران، فالعوامل الإقليمية تساعد على تصاعد القوة التركية، ولكن تركيا ستحتاج لمزيد من الخبرة والضغط لتحويل التصريحات الدعائية إلى عمل عندما يتعلق الأمر باستعراض القوة، وربما كان ذلك هو ما يدفع السعودية للوصول لتفاهم ثنائى مع إيران الآن، وعلى ذلك فإن الإيرانيين فى سباق مع الزمن، وربما خلال بضع سنوات قليلة تستطيع أمريكا التخلص من اهتماماتها الحالية فى المنطقة وتعيد دراسة ديناميكيات القوة فى الخليج بحماس جديد، وخلال هذه السنوات فإننا نتوقع قيام تركيا بدور كبير لممارسة وضعها كالقوة الإقليمية الطبيعية لموازنة النفوذ الإيرانى وتحجيمه، وعند هذه المرحلة يأمل الإيرانيون أن يكونوا قد تمكنوا من إقامة الأنظمة وتوقيع الاتفاقات التى تمكنهم من الوقوف فى وجه القوى الإقليمية الأخرى، ولكن هذا المستوى من النظام الأمنى فى المدى الطويل يتوقف على قدرة إيران على الوصول إلى اتفاقات شاقة جداً مع السعودية وأمريكا بينما تكون مازالت تتمتع بمركز قوة فى مفاوضاتها.
وإلى هنا ينتهى هذا التقرير التحليلى العميق لتطور القوى فى منطقة الخليج واحتمالات المستقبل الذى سيؤثر بالضرورة علينا فى مصر أياً كانت نتائج هذا الصراع، ومع الأسف لا نجد فيما يتاح تحليلات مماثلة فى مصر سواء فى الدوائر الرسمية أو مراكز الأبحاث المتعددة لدينا.