حكايات من الغربة

الحبة الزرقاء

احمد صفى الدين

الأربعاء, 17 أغسطس 2011 12:13
بقلم : أحمد صفي الدين:

تربطني علاقة قوية بكثير ممن عملت معهم ببلاط صاحبة الجلالة في الغربة، من أكثرهم ارتباطا صديق يكبرني في العمر بنحو عشرون عاما.. فقد أعجبت به كثيرا، فهو وهب نفسه لأهله وبيته، ولا يدخر جهدا في توفير حياة كريمة لهم جميعا.. ورغم راتبه البسيط تمكن من تعليم أربعة من الأبناء، وهم الآن يعملون في أماكن مرموقة.. وأعجبني أيضا تنظيمه لحياته، فهو ينزل لأسرته مرتين في العام، ويحضرهم مرتين أيضا، بما يجعل فترات الغربة والابتعاد محدودة للغاية.

 

اعتاد صديقي أن يحكي لي بصفة مستمرة عن حياته وأولاده وأسرته، وكنت أشاركه الرأي في أمور كثيرة، وهو ما زاد من ارتباطي به، فهو يثق بي ويجعلني أشاركه في أدق تفاصيل حياته، بل يأخذ مشورتي في بعض الأمور الأسرية الحساسة، كخلافاته مع زوجته وأولاده، والعريس الذي تقدم لأبنته ويرفضه لبخله الشديد، وإصرار أبنه على السفر للعمل بدولة خليجية.. وهكذا.. أحسست به كأخ كبير على الدوام.

دخل مكتبي ذات يوم، لأجده في صورة مغايرة تماما، فقد "صبغ" شعره، ويبدو أنه ذهب لأحد مراكز التجميل ليجري

عملية تقشير للبشرة، كما كان يرتدي ملابس جديدة غاية في الاناقة.. لأسأله عن سبب أناقته، ليخبرني أن زوجته ستحضر مساء اليوم، وهو مشتاق إليها كثيرا، فهي المرة الأولى التي تغيب عنه لأكثر من ستة أشهر متواصلة، وفضل أن يستقبلها على هذه الصورة.. تبادلنا الضحكات والقهقهة.. ليخبرني أن يريد بعض المقويات، لأجدني أفتح درج مكتبي لأخرج منه شريط "الحبة الزرقاء" فقد كان قد أهدتني إحدى شركات الأدوية منذ أكثر من عامين شريط يحتوي على أربعة من هذه الحبوب، ولمعرفتي بأن هذه الحبوب ترفع الضغط لم استعملها، فانا مريض بارتفاع الضغط منذ سنوات.. استكملنا الحديث وشكرني على "الحبة الزرقاء".

صباح اليوم التالي أنتظرته وقد أحضرت له زجاجة عطر هدية بمناسبة قدوم زوجته، لكن انتظاري طال ولم يحضر على الإطلاق، فأيقنت أنه يعيش أجمل أيام العمر حاليا، وانه يعيد شهر العسل من جديد.. وفي اليوم التالي لم يحضر أيضا..

ترى ما الأمر.. لابد أنه يعيش سعادة غامرة.

وفي اليوم الثالث، لم احتمل غيابه، فطلبته على الفور، لأجد زوجته تخبرني انه يرقد في المستشفى وفي حالة سيئة للغاية.. أكملت يوم العمل، ومع عودتي ذهبت إليه، لأجده محاطا بمجموعة من الانابيب والوصلات الطبية، ولأجده ينظر إلى بابتسامة عريضة ليطلب من زوجته الخروج لتنفيذ أمر ما، فهمت منه أنه يريد أن يختلي بي.. ليبدأ حديثه بابتسامة عشقتها لسنوات.

شفت عملت في أيه يا أستاذ.. أنت السبب في اللي أنا فيه دلوقتي.. فاكر لما قلت لك على الحبة الزرقا.. بعد ما سبتك وروحت البيت علشان استعد وأروح أجيب مراتي من المطار، قلت آخد واحدة منها.. ونزلت.. وما لحقتيش أركب العربية، لقيت نفسي واقع على الأرض ومراتي بتصرخ، وجت الأسعاف وودتني المستشفى دي.. وسألني الدكتور عن آخر حاجة كلتها، فقلت له.. وطلب مني أنه يشوف العلبة، ولقاها منتهية الصلاحية، وعملت لي تسمم وارتفاع حاد في ضغط الدم.. وعملوا لي غسيل معدة بسرعة.. شفت بقى أنت عملت في أيه.

أحسست بالجرم الشديد الذي ألحقته بصديقي، فقد كاد يلقى حتفه على يدي.. لم استطع أن أرفع رأسي لأنظر إليه.. لأجده يمد يده ممسكا بيدي ويخبرني أنه بصحة جيدة.. خرجت من المستشفى وقد قطعت على نفسي عهدا أن لا أقدم أي استشارة طبية على الإطلاق لأي شخص يطلب مساعدتي.