جماعة الــ 23%

احمد صفى الدين

الثلاثاء, 17 مايو 2011 09:02
بقلم - أحمد صفي الدين:

 

عندما دعي الشعب للتصويت على التعديلات الدستورية، جاءت "نعم" بقوة 77 ريختر، ليفرح الجميع في أول تجربة لممارسة الديمقراطية الحقيقية، ولتتحدث صناديق الاقتراع بلسان الأغلبية، ولم تكن هناك تجاوزات تذكر، لتخرج أولى تجارب الحرية بصورة عكست مستقبل مصر المشرق.

وعلى الجانب الآخر، ارتضى من ارتضى ورفض من رفض من الـــ 23% الذين صوتوا بــــ "لا"، واحترمت القلة منهم الرأي الآخر وأثنت على التجربة، فيما شن الكثيرين حربا ضروس ضد إعلان "نعم"، وما تم تسويقه خلالها من إدعاءات حول عمليات تزوير أو التلاعب بالأصوات.. ومنذ ذلك الحين ولم تهدأ جماعة الــ 23% في محاربة أي إيجابيات قد تخرج عن جماعة الــ 77% ؟!

المتابع للأحداث التي تمر بها مصرنا الحبيبة حاليا، والمخاوف التي تغمرنا جميعا من انكسار الثورة والعودة إلى ما قبل نقطة الصفر، سيلمس على الفور دور جماعة الــ  23% فيما يحدث حولنا من أحداث تعرقل استمرار قوة الدفع التي كانت تسير بها أمور الدولة قبل إجراء الاستفتاء على التعديلات الدستورية، وحتى نكون منصفين، ليست هذه الجماعة المسؤول الأوحد عن عرقلة مسيرة الثورة، بل يسأل في جزء منها المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

ولتفسير مسؤولية جماعة الــ 23% عما يجري حولنا من أحداث، لابد من الإشارة إلى أن أغلب من ينتمون إلى هذه الجماعة هم أصحاب القرار بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وفي مقدمتهم إمامهم الأكبر الدكتور يحيى الجمل، والذي أعلن منذ أيام عبر لجنة الوفاق الوطني عن البدء في تشكيل لجنة تأسيسية لدستور ينتهي العمل منه في شهر سبتمبر المقبل ؟

الدكتور الجمل بتصريحاته الأخيرة كأنه يقول لكل من صوت بنعم للتعديلات الدستورية "طظ فيكم".. فهو لم يرض بنتائج الاستفتاء، ويريد أن يجري تغيرات على الدستور أو عمل دستور جديد من وجهة نظر أحادية، أو من وجهة نظر من يؤمهم من الأتباع والمريدين، وهم كثر، خاصة في الإعلام، الذي ترك رسالة ورؤية وأهداف الثورة، وتفرغ لتأجيج الفتنة الطائفية بصور شتى.

الإعلام بوضعه الحالي المتسبب الرئيسي في إشعال نار الفتنة بين الشعب المصري - إلا من رحم ربي منهم -  فهذا يهاجم السلفيين والأخوان المسلمين والجماعات الإسلامية بشكل عام، وذاك يهاجم الأقباط ويبيح دمائهم، وثالث يتهم العلمانيين والتيارات الفكرية الأخرى بالتسبب في أحداث إمبابة أو الإسكندرية.. وهكذا أدار الإعلام الصراع باقتدار باتجاه إشعال نار الفتنة.. والإعلام الحكومي بوضعه وبتشكيله الحالي يسأل عنه الدكتور الجمل الذي اختار قياداته، حتى الإعلام الخاص، له مصالح لن تتقاطع مع مصالح الدكتور الجمل المتسبب الرئيسي في الاضطرابات التي تشهدها ثورة يناير حاليا، تلك المصالح إما أن تلتقي في الانتماء الفكري أو الرؤى المستقبلية أو معاداة كل ما هو مسلم، أو تلتقي في جانب آخر يريد منه البعض استمرار الوضع على ما هو عليه حتى لا تفتح ملفات أخرى ويبدأ مكتب النائب العام في استقبال أغليهم، سواء للكسب غير المشروع، أو بتهم العمل مع جهاز أمن الدولة، أو باعتباره من وسائل الإعلام التي تحظى برعاية أميركية، أو في محاولات وأد الثورة في بداياتها.

خلاصة القول أن مسؤولية إدارة مصر أصبحت حاليا في يد أناس لا يعبرون عن رأي الشارع، فئة قليلة لا تسمع إلا أصواتها فقط، ولا يرون إلا أنفسهم، بدليل انهم في الاستفتاء على

التعديلات الدستورية نزلت عليهم النتائج كالصاعقة وتداركوا الخطأ، وتعلموا من الدرس جيدا، وعرفوا أن الأصوات ليست للإسلاميين فقط، بل للشعب الذي نزل إلى ميدان التحرير بكل طوائفه وفئاته، ليبدأوا العمل في مسارين متوازين، الأول مواصلة الهجوم على كل ما هو إسلامي لمنع وصولهم إلى تحقيق مراكز متقدمة في سباق السيطرة على كراسي البرلمان والرئاسة والوزارات، ومن جهة أخرى إلهاء الرأي العام وإشغاله عن القضية الرئيسية وهي مستقبل مصر بعد عصر الفساد، وهي محاولة ساذجة للسيطرة وفرض دستور أو برلمان أو حتى رئيس يخدم مصالحهم فقط.. وإذا كان شغل الدكتور الجمل ومن هم في شيعته مستقبل مصر كما يدعي ويدعون، فما هي الخطوات التي قطعها نائب رئيس مجلس الوزراء في هذا الاتجاه، فهو والحمد لله لم يتخذ خطوة واحدة إلا وكان الفشل حليفها، والإعلام والمحافظين والحوار الوطني، وحتى خطاباته وحوارته خير شاهد على ضعفه، وأنه لا يصلح سوى أن يكون ضيف في برامج التوك شو لنستمتع ونضحك على ما يقول.

وفيما يتعلق بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة، نجد أن هناك فرق توقيت مزمن بين ما يتخذه من قرارات تجاه الأحداث التي تمر بها مصرنا الحبيبة، ولا ننكر الدور المتوازن والكبير الذي يلعبه في هذه الفترة الحرجة من عمر مصر، إلا أن قراراته تأتي في أغلبها بعد أن ييأس الناس من وجود حلول، فمشكلة الفتنة الطائفية نتوقع أن ينجح المجلس في حلها خلال الفترة المقبلة خاصة بعد القرارات الصارمة التي اتخذها في هذا الصدد، والتي جاءت متأخرة بعض الشيئ، ولو كانت تلك الخطوت اتخذت منذ مارس الماضي لكان الوضع مختلفا تماما عما نعيشه حاليا.

الخلاف في الرؤى والأفكار لا يعني العداوة، لكن عندما يصل الأمر إلى أن البعض يتعمد تخريب مصرنا الحبيبة، وركوب الثورة، وتفضيل المكاسب الشخصية على الصالح العام، فهو عدو لابد من إزاحته من طريق الحرية والديمقراطية الذي بدأ في الخامس والعشرين من يناير، وإذا كنا نعلم جيدا أن تلك الفئة أغلبهم تربى وترعرع في كنف النظام الفاسد، فلما لا نستأصله من جسد مصرنا الحبيبة، ونعتقد أن ممثلي تلك الفئة سيتساقطون قريبا، خاصة بعد إزالة الأقنعة التي يختفون خلفها، فقد بدأت ملامحهم القبيحة في الظهور تدريجيا.

كلمة أخيرة لمن يعملون في الخفاء لتدمير مصر سواء بقصد أن عن غير قصد، أفيقوا من غيبوبتكم يرحمكم الله، فما معنى أن يخرج شخص ملتحي وتزين جبهته علامات التقوى والصلاح ويدعو إلى حسن التعامل مع الآخر، وفي الخفاء يحث اتباعه على محاربة الأقباط، وفي المقابل، يخرج علينا يوميا رجال أعمال وسياسة ودين أقباط يشجبون ويدينون كل من يحاول المساس بالوحدة الوطنية، وهم في الأساس من أشعلها، بل ويصبون الزيت على النار حتى يزداد الأشتعال.. أقول لهؤلاء أقسم لكم أنكم ستكونون أول الخاسرين، وستفضح شخصيتكم الحقيقة ومؤامراتكم عما قريب.

مصر تحتاج حاليا إلى روح الخامس والعشرين من يناير، تلك الروح التي وحدت الشعب فعلا، فالكل كان مصري.. مصري فقط.. ورجاء أخير لكل مسؤول يسعى بإخلاص في حل ملف الفتنة الطائفية، لا تقعوا في خطا من سبقكم، ففي عهد عبدالناصر والسادات، جاء الحل في اتجاه الإسلام وليس الإسلاميين، وفي عهد مبارك تم نصرة الأقباط.. أدعوا الله أن يكون الحل هذه المرة في صالح المصريين.