أثواب بالية

احمد صفى الدين

الثلاثاء, 10 مايو 2011 12:27
بقلم – أحمد صفي الدين:

 

استوقفتني إجابة أحد الأصدقاء على سؤال حول أسباب التوترات المفتعلة بين التيارات السياسية والانتماءات المختلفة، وكذلك تعمد إشعال نار الفتنة الطائفية بين المصريين خاصة بعد أحداث إمبابة؟.. إذ بادرني بالإجابة قبل أن أكمل له ما تبقى من السؤال، بل أصابني بإحباط لحد توقفت فيه عن طرح استفسارات وتساؤلات أطرحها بين الحين والآخر على الأصدقاء للتعرف على الرأي العام، وكيف ينظر عامة الناس إلى مستقبل مصر في ظل ما يحيط بنا من مستجدات.

صديقي فاجأني بإجابة قاسية جدا، إذ قال، "مش هينفع أي حل.. شكلنا كده مش هنكمل للآخر.. والثورة هتنقلب علينا.. والبلطجية وقطاع الطرق والشبيحة هم اللي هيحكمونا.. كل حاجة باظت.. مبقاش فيه أخلاق والا انضباط.. والداخلية مش عارفه تعمل حاجة.. وشكلها كده لازم الشرطة ترجع بقذارتها وسفلتها علشان نعرف نعيش".

كلمات صديقي، أحسست بها تنخر في قلبي، فإذا كان هذا الرد صادر عن إنسان مثقف ولديه من الوعي ما يمكنه من قراءة وتحليل الأحداث، وتوقع المستقبل، فما بال البسطاء من الشعب؟.

وبقدر قسوة ومرارة الرد، إلا أنه فجر بداخلي جرس إنذار لم يهدأ أو يكف عن الرنين إلى الآن.. فهل الثورة قامت للإطاحة بمبارك وجهازه الفاسد ورجعنا إلى نقطة الصفر ولم ندخل مرحلة التغيير التي كنا نسعى إليها؟.. وهل وصلنا لدرجة من الإحباط لفتنا جميعا وأصبحنا لا نرى سوى سوادا في المستقبل؟.. وهل الحالة المصرية وصلت لحد من السوء لا يمكن إصلاحه؟.. ولماذا تغيرت أخلاق الخامس والعشرين من يناير؟.. ومن المسؤول عن فشل الثورة في تحقيق أهدافها؟.. وهل من حلول سريعة نعود بها إلى المسار الصحيح؟.. وأخيرا ما هي الأولويات في وقتنا الحاضر.. فهل نتفرغ لمحاسبة مبارك وعصابته والقضاء على ما تبقى من رموز وأعوان النظام الفاسد، أم الإصلاح السياسي والاقتصادي، أم تحسين معيشة الناس، أم السيطرة على الأمن، أم محاربة من يحاولون إشعال نار الفتنة الطائفية؟

بداية يجب التأكيد، أن السيناريو الذي نعيشه الآن كان متوقعا مع بدء الشرارة الأولى للثورة، وهو بمثابة أعراض جانبية لابد من ظهورها مع التغيير، ومن ثم الثورة لم تنته، ولم تفشل، بل في طريقها وبقوة، لكن هناك من يحاول إبطاء سرعتها أو عرقلة مسيرة الإصلاح، بالإضافة إلى تراخي أدوار البعض في تقويم

وتصحيح المسار.. وهو ما يجعلنا نخشى من الأخطار التي تحدق بنا من كل الاتجاهات، والتي قد تعود بنا إلى نقطة الصفر أو تتخطاها.

وبحديثنا عن التراخي، لابد وأن نشير إلى الجهات المسؤولة عن الإنفلات والتسيب والاضطرابات التي تعيشها مصر حاليا، وهي جهات عدة، يمكن ترتيبها على النحو التالي، المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الحكومة، مسؤولي الأجهزة الدينية، الأحزاب والتيارات السياسية والدينية، الإعلام، وأخيرا الشعب ذاته.

وبالنسبة للمسؤول الأول، وهو المجلس الأعلى للقوات المسلحة، فالخطوة الاخيرة التي اتخذها في أعقاب أحداث إمبابة، قد تأخرت إلى حد كبير، وكان لابد من اتخاذ مثل هذه الخطوة في أحداث مثيلة لردع حملة لواء الفتنة الطائفية من الجانبين.. إلا أن تراخي المجلس قد يكون متعمدا، لكشف الأهداف الخفية للإسلاميين الذين ابتعدوا تماما من الصورة في أحداث إمبابة، خاصة الأخوان المسلمين، فلم يكن لهم دور يذكر في تهدئة الأجواء بين الطرفين، ولم تكن لهم تحركات تذكر كالتي عهدناها في أي من الأمور السياسية الاخرى، كالأستفتاء على التعديلات الدستورية مثلا، فقد أصبح ظهورهم سياسيا فقط، ويغيب دورهم في المواقف التي تحتاج التدخل أو الظهور، ونعتقد أنهم هنا يخشون التدخل الذي قد يأتي برد فعل قوي يجعلهم يخسرون مؤيدون أو أصوات يحتجونها في الانتخابات المقبلة.

وإذا ما انتقلنا إلى تراخي الحكومة، سنجد أن الدكتور شرف كالذي يغرد خارج السرب، فهو يسعى جاهدا للإصلاح والتغيير، لكن هناك من يحاول عرقلة مساعيه بقصد أو بدون قصد.. نعم هناك من يتعمد عرقلة الإصلاح والتغيير، في مقدمتهم القادم من النظام الفاسد السابق الدكتور يحيى الجمل، الذي نعتقد أنه المتسبب الرئيسي وراء الانتقادات الحادة للدكتور شرف سواء في حركة رؤساء تحرير ومجالس إدارات المؤسسات الإعلامية أو حركة المحافظين، وأيضا فشل الحوار الوطني.

وأيضا الداخلية تتحمل النصيب الأكبر من فشل الحكومة في حل أزمات كثيرة، في مقدمتها الفتنة الطائفية، فهي لم تنجح إلى الآن حتى في تأمين دور العبادة، وقد ألمحنا

لذلك من قبل وتقدمنا بدعوة لإعادة النظر في جهاز الداخلية برمته.. فمن الصعوبة الاعتماد على جهاز أدمن ثلثي منتسبيه الفساد، وهناك حلول كثيرة للخروج من أزمة الداخلية، أسهلها وأسرعها على الإطلاق الاعتماد على خريجي الحقوق والاستعانة بهم من خلال دورات تدريبية مكثفة لثلاثة أو ستة أشهر، لتعيينهم في مواقع إدارية متعددة، ليتم التخلص تدريجيا من عناصر الفساد في الوزارة برمتها، خاصة ونحن لا نحتاج إلى قوات خاصة من الكوماندوز أو قناصة، بل محتاج إلى إدارة للأمن الداخلي.

وفيما يتعلق بمسؤولي الأجهزة الدينية، فقد فشل رجال الأزهر ومسؤوليه وكذلك الحال بالنسبة للكنيسة في وأد نار الفتنة، ومن ثم يجب على الدكتور أحمد الطيب والبابا شنوده أن يخرجا من الصورة تماما ويتركا الأمر لرجال قد يكون لديهم حلول لم ينظرا إليها من قبل، فكم من أحداث فتنة طائفية مرت علينا قبل وبعد الثورة ولم ينجح الرجلان في تهدئتها، حيث أكتفيا بالشجب والإدانة ونقل بعض المقولات الدينية عن تحريم التعدي على الطرف الآخر، او أقوال مأثورة عن الفتنة، على أن يتبادلا القبل والمصافحة بالأيدي، لنرى بعد هذا اللقاء الأخوي المفتعل تكرار التعدي على دور العبادة.. وكل هذا يعني فشل المؤسسات الدينية في حل ملف الفتنة الطائفية، ولا يمكن تغيير تلك المؤسسات أو شطبها من سجلات الدولة، والأفضل هو تغيير من يقومون عليها، وفي مقدمتهم شيخ الأزهر والبابا شنوده.

وللإعلام دور قوي أيضا فيما يحدث من اضطرابات وفتنة، فالمبالغة في الوصف والتصنيف كان سببا رئيسيا وراء ارتفاع حدة الفتن بين المصريين، والمعالجة أيضا زادت الطين بلة، فهي في الغالب تلمح إلى النوايا الدفينة بين كلا الطرفين، وأن ما حدث لم يكن وليد اللحظة، بل مخطط له مسبقا، وقد يكون هذا نابع من الخوف الشديد لدى مسؤولي وسائل الإعلام حاليا الذين يسابقون الزمن لإثبات حسن النية وأنهم يسيرون في ركب التغيير، أو قد يكون متعمدا من البعض، خاصة تلك الوسائل التي لا هم لها سوى متابعة تحركات الإسلاميين والإساءة لها بصفة مستمرة وإظهارهم في صورة "مدمر مصر الاول".

لكن ما هي مسؤولية الشعب عما يحدث الآن من أضطرابات؟

الإجابة بسيطة للغاية.. غياب روح الخامس والعشرين من يناير.. فبعد أن أرتدينا جميعا ثوبا واحدا بلون واحد ومقاس واحد، خلعناه جميعا بعد إعلان تنحي مبارك، وارتدينا جميعنا ملابسنا القديمة البالية التي احتفظنا بها في خزانتنا ولم نتخلص منها، ليظهر كل منا بشخصية منفردة ونتخلى عن شخصية المصري الأصيل الساعي للتغيير.. فلما لا نعود إلى رشدنا أو إلى شخصيتنا التي عشقناها على مدى ثمانية عشر يوما ونرتدي هذا الثوب مجددا، لنعيد وحدة الصف، ولن يهمنا هنا فشل أو تراخي أي من المسؤولين أو الأجهزة الحكومية أو الدينية، فيكفينا أننا على قلب رجل واحد مسعاه الأول والأخير انتشال مصر من مستنقع الفساد والمفسدين.

[email protected]