الملائكة لا تموت

احمد صفى الدين

الخميس, 28 أبريل 2011 10:48
بقلم – أحمد صفي الدين:


وكأن الله أمهله ليرى ثمار ما دافع عنه لأكثر من نصف عمره.. لتزف روحه الطاهرة إلى بارئها في موكب شهداء ثورة التحرير.. فعلى مدى أكثر من 27 عاما لم يرض لنفسه في يوم من الأيام الانصياع للإغراءات المادية، أو التهديدات والوعيد الذي تلقاه بطرق مباشرة وغير مباشرة.. ظل عادل القاضي مجاهدا بعقله وقلبه وقلمه.. ظلت مصر في قلبه وعقله ووجدانه منذ أن أدركها.. فأدركته.. عشقها فعشقته.. لم يخُنها يوما واحدا ولم تخُنه.. تحابا في الله فأحبها وأحبته.. وجد فيها ضلته.. فقد كانت الأم والأخت والزوجة والولد والزاد والزواد.. المتعة عند الملل.. الفرحة وقت الحزن.. الفرج عندما يحل الكرب.. فما أكثر ما عشت من عمرك صديقي وأخي وحبيبي من حزن وهم وكرب.. لكن هكذا يكون الرجال.. فلم تمل أو تكل.. بل واصلت طريقك مجاهدا شريفا.. لتخرج إلى لقاء ربك طاهرا عفيفا رافضا أن يتلوث ثوبك أو أن يلوثوك من حاولوا وفشلوا.

عشت مع عادل القاضي قرابة العشرين عاما، جمعتنا الغربة مرتين، الأولى لمدة ثلاث سنوات تقريبا في جريدة المدينة السعودية، والثانية بجريدة الاتحاد الإماراتية، وعملنا سويا أيضا في القاهرة، الأولى بمكتب جريدة البيان الإماراتية مع الأستاذ الجميل جلال عارف، والثانية في موقع محيط مع الإعلامي ورجل الأعمال الإنسان محمد عليوة.. فتعلمت منه خلال تلك السنوات الكثير والكثير.. وأدين له بالفضل في أمور حياتية ومهنية كثيرة.. في مقدمتها كيف تكون إنسانا في زمن ندر فيه من يحملون معانيا وسماتا وصفاتا كثيرة للإنسان الحق.

أسمحوا لي أن أظهر عليكم جوانب خفية من حياة هذا الكائن الملائكي.. فقد شاءت الأقدار أن يكون عادل القاضي شقيق من احببت وعشقت.. ولم أنسَ إلى الآن أول يوم التقيت به لأطلب منه الزواج من شقيقته زميلتي في العمل.. وقد تقبلني مبدئيا على الرغم من علمه بأنني لم املك حتى شراء "دبلة الخطوبة".. وأقسم لك يا عادل لو تبادلنا مواقعنا لم أكن لأزوجك من أخت لي وأنت "كحيان" كحالتي حينها..

بعد هذا اللقاء يشاء القدر وأزامله في العمل بجريدة المدينة السعودية، وهناك تعرفت على جوانب خفية كثيرة لم يكن لي علم بها عن عادل الإنسان والصحفي، وكلما اقتربت منه ازداد ارتباطي به، وندمت على ما فاتني من عمر ولم أصادقه من قبل.. وكلما اكتشفت فيه سمة جديدة، أتعجب وأسأل نفسي سؤال تكرر

بداخلي مئات المرات، وهو "هل عادل القاضي هذا إنسان مثلنا؟.. أم أنه نوع آخر من البشر لم يعد له وجود الآن؟".. لأقول له مقولتي الشهيرة فيه "يا عدول أنت فضلك جناحين وتبقى ملاك.. ارحمني بقى وما تحسسنيش بضآلتي".. ليرد وتزين وجهه ابتسامة عشقتها فيه منذ أن تعرفت عليه "يا واد يا بكاش.. والنبي اتلهي.. ما انت برضه جميل بس انت اللي مش واخد بالك من الحلو اللي فيك ".. وأحاول جاهدا في كل مرة بعد هذه الجملة أن أجد "الحلو" في شخصي مقارنة بعادل، لأجده مجاملا، فهو لا مثيل له، فقد كان محبا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ومن عشقه لرسول الله لم يغفل يوما ما أن يتشبه بأخلاقه الكريمة.

في أحد الأيام قتلني شغفي لمعرفة أسباب "بقعة" الشعر الأشيب في رأسه، فهل هذا شيب طبيعي أم مولود بها أم ماذا؟.. وسألته دون خجل، ليخبرني أنها حديثة العهد، وقد فوجئ بها فور عودته من أحد مكاتب أمن الدولة بسبب ما كتبه في "الوفد" عن فساد الحكومة.. حيث اكتفوا فقط بإدخال الرعب إلى قلبه، وأسمعوه أصوات التعذيب التي كانت تمارس بحق المعتقلين.. ليعود ويجد الشيب قد ضرب رأسه من هول ما سمعه.. ولم تمنعه تهديداتهم ليواصل كشف الحقائق تباعا، ليصل بعد سنوات طويلة من النضال والكفاح إلى مبتغاه، ولينزل مع من نزلوا إلى ميدان التحرير.

ولعادل القاضي قصص وحكايات طويلة في ثورة يناير، فقد حرمتني الغربة من شرف المشاركة بين صفوف الثوار، واكتفيت بنضالي بالكتابة تارة، و"الفيس بوك" تارة أخرى، ومتابعة ما يحدث في ميدان التحرير من خلال مراسلي الخاص حينها عادل القاضي، فقد لاحقته طيلة أيام الثورة باتصالات مكثفة للوقوف على حقيقة الأمور أولا بأول، والاطمئنان عليه، وسألته يوم موقعة الجمل الشهيرة أن يكف عن النزول إلى ميدان التحرير، حتى لا تطاله رصاصات الغدر، أو يصاب بإرهاق، وهو الأمر الذي قد يمثل خطورة شديدة على قلبه الرقيق، إلا أنه رد بكل حزم، بأنه إذا

تراجع أو انسحب من بين صفوف الثوار فهو خائن لنفسه قبل أن يخون الوطن، وأقسم لي أنه لم يشعر بتعب أو إرهاق رغم أن ساعات نومه لا تتعدى الأربع في اليوم، بل أنه يشعر بحيوية ونشاط لم يعرفهما من قبل.. وظل يواصل جهاده من ميدان التحرير، وموقع الوفد الإلكتروني، إلى أن تحقق النصر للثوار.

عشت مع عادل القاضي خلافاته واختلافاته في الرؤى ووجهات النظر مع العديد من زملاء المهنة، وأيضا خلافاته مع عدد كبير من المسئولين، وتعلمت منه كيف تدافع عن الحق وتساند الضعيف، وكيف تدير معركتك بحكمة واقتدار دون خوف من قطع الرزق أو التهديد بالتنكيل أو الاعتقال.. المهم رد الحقوق لأصحابها حتى أن كلفك الأمر أن تفقد مصدر رزقك، أو حتى لو كلفك حياتك، فالساكت عن الحق شيطان أخرس، وعادل لم يكن يوما شيطانا.. والغريب أن جميع من اختلفوا معه في الرأي أو وجهات النظر أو حتى من تعارضت مصالحهم مع أخلاقه الرافضة لممارسة الظلم أو استغلال حاجات الضعفاء، احترموه، حتى بعد أن كسب كل معاركه ضدهم ظلوا يحترموه، ولا أجد دليلا أفضل من مصافحتي لبعض منهم في سرادق عزاء عادل القاضي ووجوههم تغطيها الدموع.

حبيبي وأبي وأخي وصديقي عادل القاضي.. لا أعرف إن كانت كلماتي هذه ستصل إليك أم لا.. أقسم لك حاولت أن أوفيك حقك في كل ما عرفته عنك وتعلمته منك.. لكني فشلت.. وأنت السبب يا صديقي.. فقد حددت لي مساحة محدودة لعمودي لديكم في بوابة الوفد، وأنت تحتاج إلى دواوين.. عادل أقسم لك أنني لم أشعر أنك رحلت عنا، تخيل يا أخي وأنا قادم من أبوظبي لإلقاء النظرة الأخيرة على وجهك الملائكي الجميل الذي أعشقه، تخيلت والله أنك ستستقبلني في المطار كعادتك لتقلني إلى منزلك لأحملك إلى مثواك الأخير وأواريك الثرى.. حتى بعد أن رأيتك.. تذكر حبيبي.. دار بيننا حديث طويل.. والله أحسست بيدك وهي تمسح عن وجهي الدموع التي غمرتني.. بل سمعتك حبيبي وأنت تطمئني عن أحوالك.. ويكفيني أنني رأيت أجمل ما عشقته فيك.. ابتسامتك الطفولية.. رائحة المسك التي شممتها من جسدك الطاهر.. علامات الرضا بما قسم الله لك من عمر قصير.. عادل.. أنت لم تخسر شيئا على الإطلاق، فقد كسبت دنيا وآخرة.. يكفيك صديقي برك بأهلك أجمعين.. إخلاصك للأصدقاء.. تصالحك مع نفسك.. زهدك في الدنيا.. عشقك للخير.. نشرك للحب.

عادل رحل عنا بجسده، لكنه لم يرحل عنا بفكره وأخلاقه ونضاله وكفاحه.. فهل خروج عادل القاضي من دنيانا يعني ذكره فقط برثاء مجحف لم يعطه حقه.. أم فقط نتذكره يوم أن رحل بسطور بسيطة لا توفيه حقه.. أدعو نقابة الصحفيين أن يكون لها موقف تجاه رجالها الشرفاء، الذين لم تتلوث أسماؤهم رغم بحور الفساد التي كان يغرف منها العديد من الصحفيين.. فلما لا نخلد ذكرى هذا الرجل بجائزة..؟ ولتكن أولى مبادرات نقابة الصحفيين في عهد الثورة.. جائزة عادل القاضي في أي من التخصصات الصحفية.