براءة الذمة الأخلاقية

احمد صفى الدين

الأربعاء, 09 مارس 2011 08:28
بقلم – أحمد صفي الدين

ينتظر الكثير منا موسم التخفيضات أو التنزيلات السنوية "الأوكازيون" لشراء مسلتزماته بأسعار منخفضة، ويبدو أن موسم "أكازيون" إنشاء الأحزاب سيفتح الباب قريبا على مصرعيه، ليبدأ كل من هب ودب في إنشاء حزب خاص يعبر أو يحقق من خلاله تطلعاته وتطلعات من هم في شيعته، ومن المؤكد أن الفترة المقبلة ستشهد إفراطا في إنشاء الأحزاب الجديدة، ومن المؤكد أيضا، أن من بين هذه الأحزاب سيكون هناك القوي والمعبر بصدق عن رأي الشعب أو على أقل تقدير من ينتمون إليه بمصادقية وشفافية، أو تكون أحزاب من ورق كأغلب الأحزاب الموجودة حاليا.

ولا يهمنا الإفراط في إنشاء الأحزاب من عدمه، فالأيام المقبلة كفيلة بفرز الرديء من الجيد، لتتضح الصورة تدريجيا أمامنا، لكن ما يهمنا في المقام الأول، هو استغلال البعض للحالة الضبابية التي نعيشها حاليا على كافة المستويات.. حالة يصعب فيها الفرز، فالأمور قد اختلطت على الجميع، ومن كنا نراه في السابق شريفًا وطاهرًا وعفيفًا، طالته استجوابات النائب العام لتوجه له اتهامات باختلاسات أو عمليات نهب وسلب، وخيانة الأمانة، والعكس صحيح لبعض الشخصيات التي اتضح لنا فيما بعد حجم الظلم الواقع عليها من قبل النظام السابق.

وفي وقت يصعب فيه التعرف بدقة عن نوايا ورؤى وأجندات الأحزاب الجديدة ومؤسسيها، تنتابني مخاوف كثيرة من عمليات "النصب السياسي" التي قد يقع فيها الكثير من بسطاء هذا الشعب، من خلال الانتماء أو السعي لعضوية حزب ما، لنكتشف فيما بعد أنه أداة لتحقيق أهداف شخصية بحتة، ويبعد تماما عن أهدافه المعلنة، أو حزب آخر يغري ضعاف النفوس بالمميزات التي سيمنحها لمنتسبيه، ليجدوا أنفسهم في نهاية الأمر جزء من مخطط "نصب سياسي"، لم يفد إلا مؤسسي الحزب وحدهم، ولا يمكنهم الرجوع عن عضويته لتقويضهم بشروط أو التزامات، أو أي وسيلة لا نعلمها حاليا تحظر عليهم الخروج من الحزب أو التمرد عليه.. ولنا في ذلك تجربة مريرة

مع الحزب الوطني.

ومن الطبيعي أن يتجه رجال السياسة إلى إنشاء أحزاب، ومن الطبيعي أيضا أن يسلك بعض رجال الأعمال نفس المسلك، وعلى شاكلتهم كافة الطوائف والملل والانتماءات، بل المهن أيضا، بما في ذلك رجال الإعلام، شريطة أن يخلص لعمله السياسي، وعدم استغلال موقعه لمصالح أو أغراض أخرى.

وبذكر الإعلام والإعلاميين، خرج الإعلامي الكبير وائل الإبراشي، الذي فجر الكثير من القضايا المهمة والحساسة، ليكون من بين أوائل المعلنين عن إنشاء حزب جديد، وكما نعلم فهو من رجال الثورة كما ظهر لنا جميعا، ولم يترك وسيلة إعلامية إلا وتحدث إليها كونه أحد المشاركين الأقوياء في الثورة، مستندا في ذلك على تاريخه السابق في النضال السياسي والاجتماعي الذي سبق الثورة ربما بسنوات.

وإذا كان الحديث عن بروز شخصيات عامة تتجه لإنشاء أحزاب سياسية، فمن المؤكد أن تلك الشخصيات تستند إلى حد كبير على شعبيتها بين الناس، خاصة البسطاء منهم، في الترويج لمشروعهم الحزبي، ومن المؤكد أيضا أنهم سيستقطبون أعدادا كبيرة من أبناء الشعب الباحثين عن متنفس سياسي بعد سنوات عجاف لم تشتم فيها إلا روائح الحزب الوطني التي أزكمت الأنوف، فلم تكن للأحزاب الأخرى روائح تذكر، وكانت مثل الزهور المصنعة، شكل بدون رائحة، ومن ثم فظهور منتج جديد من الزهور البديعة المنظر والذكية الرائحة، سيجذب نسبة كبيرة من المتعطشين للحرية والمشاركة السياسية.

وسيعمل زخم إنشاء الأحزاب المرتقب على إرباك هؤلاء المتعطشين للحرية في عملية الاختيار، خاصة أن الذين تبنوا إنشاء حزب سياسي هم في أغلبهم من المحبوبين.. فكيف لنا أن نختار.. وبمن نثق.. وهل هناك أسس وقواعد لاختيار الانضمام إلى حزب ما؟

والسؤال الأكثر أهمية من اختيار الحزب، طبيعة الشخصيات المؤسسة للحزب ومصداقيتها ونزاهتها، فكما نطالب بإقرارات للذمة المالية لرئيس الجمهورية أو للوزراء ونواب مجلس الشعب، نطالب أيضا بإقرار براءة الذمة الأخلاقية بما يثبت النزاهة والمصداقية والشفافية لمؤسسي الأحزاب.

وبالإعلان الأخير لوائل الإبراشي، نتساءل هل سيكون في مقدمة الجاهرين بإقرار براءة الذمة الأخلاقية، كما كان أول المعلنين عن تأسيس حزب سياسي؟.. وباعتباره من الصحفيين الذين لهم العديد من الأعمال الإعلامية التي تصنف على أنها سبق صحفي، ويحتذى بها في بلاط صاحبة الجلالة، فهل سيكون له السبق أيضا في إعلان براءة الذمة الأخلاقية.

وبمناسبة السبق الصحفي، نذكر كما يذكر الكثير منا، "الخبطة" الصحفية التي ضربها وائل الإبراشي في قضية المشير عبدالحليم أبو غزالة وزير الدفاع المصري الأسبق يرحمه الله، ولوسي أرتين في مجلة روز اليوسف، حيث حصل الإبراشي على نسخة من المكالمات الهاتفية التي جرت بين المشير ولوسي، وقام بنشرها في مطلع تسعينات القرن الماضي.

وسؤالنا هنا، من هي الجهة المخول لها بتسجيل المكالمات الهاتفية في مصر، مع الأخذ في الاعتبار أن تلك الفترة لم تكن وسائل الاتصال كما هي عليه الآن.. ونعتقد أن الجهة الوحيدة التي كانت تخدم الرئيس السابق في كل مطالبه هي أمن الدولة، أو بالأحرى أمن الرئيس، وهي أيضا الجهة التي يمكنها تسريب المعلومات وقتما تشاء لخدمة أغراض أو أهداف بعينها.. فهل سرب أمن الدولة نصوص المكالمات الهاتفية للصحافة للإطاحة برجل أحببه الشعب، وغضب عليه البيت الأبيض، وبالتبعية مبارك المخلص الأمين لأمريكا وحكامها؟.. مما أوجب التخلص منه بفضيحة !

وفي النهاية، إذا كنا نطالب بإعلان براءة الذمة الأخلاقية، فنحن نحتاج في قضية المشير أبو غزالة ولوسي أرتين إلى توضيح من وائل الإبراشي قبل إعلانه عن تأسيس حزب سياسي.. ولا يعني هذا الإفصاح عن مصدر معلوماته في الحصول على التسجيلات، فذلك يتنافى مع أخلاقيات المهنة، لكن هل ينفض الإبراشي عن ثوبه شبهة حصوله على تلك المعلومات من أمن الدولة؟.

ونكرر تأكيدنا، نحن لا نشكك في وطنية أي شخص يتجه لتأسيس حزب سياسي، لكن لنا عذرنا في أخذ الحيطة والحذر، فجل خوفنا من الانعكاسات السلبية التي قد تنجم عن "الفتح الحزبي" المنتظر، ليختلط الحابل بالنابل، والوطني باللا وطني.. وكلنا أمل في أن نرى الفترة المقبلة أحزابا سياسية قوية تعبر عن رغبات الشعب، وتعمل على استعادة مصر لدورها الريادي باعتبارها صاحبة أول تجربة برلمانية في المنطقة.

[email protected]