مش أوانك يا دكتور

بقلم – أحمد صفي الدين:

حاولت جاهدا أن أتوقف عن الكتابة ضد سارقي الثورة، لكني لم استطع رغم مقاومتي الشديدة لذلك، فيوميا تطالعنا الفضائيات والصحف بصور مستفزة للعديد من مدعي الجهاد ومحاربة الفساد وحاملي لواء العفة والشرف، يتحدثون وفي نفس الوقت يتناسون صورتهم التي ترسخت لدى العامة والنخبة من المصريين، فعلى من يزايدون، ولمصلحة من يلعبون.

وقبل الخوض في التخبط وحالة الغوغائية الإعلامية التي نعيشها حاليا، وجب التأكيد على أمر مهم، وهو أن الثورة للمصريين بكل طوائفهم وإنتمائاتهم، وليست حكرا على مسلم أو مسيحي أو علماني أو يساري، وهي الروح التي ظهرت بوضوح تام خلال الفترة من 25 يناير حتى 18 فبراير، ووجب التأكيد أيضا على أن تلك الفترة لم تشهد تجاوزات أخلاقية على الإطلاق صدرت عن شباب الثوار، بل ضربوا مثالا نموذجيا لأخلاق المصري، وبمعنى آخر استعاد المصري أخلاقه التي كانت قد تشوهت إلى حد ما بفعل مجموعة من العوامل، وشهد لنا العالم بذلك، ليدفعني الأمل إلى تصديق أننا تجاوزنا أزمة الأخلاق.

وأيضا قبل الخوض في تفاصيل أخلاق المصري بعد ثورة يناير، وجب التأكيد على أن جميعنا كان متفقا على ضرورة خروج الفريق أحمد شفيق من الحكومة، والتقدم باستقالته، ليس لعدم مقدرة الفريق شفيق على قيادة البلاد، أو لأسباب أخلاقية، أو لعدم نزاهته، ولكن لسوء حظه، فقد تولى قيادة الحكومة في وقت عصيب، وأيضا فهو من اختاره النظام السابق، ومن ثم يجب إزالة كل ما هو متعلق بهذا النظام، حتى ولو كان الجميع يشهد له بالكفاءة والشرف.. إذا فالفريق شفيق هو الإنسان المناسب في الوقت غير المناسب.

وبعد أن تنحى الرئيس مبارك، وما تبع ذلك من أحداث، وصولا إلى بدء الثوار في عملية إخلاء ميدان التحرير، أيقنت حينها أننا سنعيش عصرا جديدا.. عصر ننفض فيه عن أنفسنا كل الضغائن والكره

والحقد والغل.. عصر ببدأ أول ما يبدأ باستعادة ما خسرناه من أخلاق وتبلد في المشاعر.. عصر يحترم فيه الصغير الكبير.. نقف فيه إجلالا وتعظيما لرموزنا وكبارنا.. لكن للأسف دخل البعض إلى هذا العصر، وأصر البعض على الاحتفاظ بأخلاق العصر الماضي.

أقرب مثال على عدم استجابة الكثيرين للتغيير، اللقاء التلفزيوني الذي جمع بين الدكتور علاء الأسواني والفريق أحمد شفيق والكاتب الكبير حمدي قنديل، ونجيب سويرس، وهي نخبة لا يمكن تجميعها دفعة واحدة، وانتظرت مع من أنتظروا إذاعة هذا اللقاء للاستفادة من الأطروحات والأفكار التي سيتم تناولها خلال البرنامج، خاصة وأنها جاءت قبل مليونية الجمعة المطالبة باستقالة حكومة الفريق شفيق.

الحوار كان في أزهى صوره، إلى أن بدأ الدكتور علاء الأسواني في شن هجوم على الفريق شفيق، أقل ما يمكن أن يوصف به أنه "شرشحه" لا ترقى لمستوى المتحدث الذي يعد من النخبة المثقفة، وأيضا لا يليق بمكانة الفريق شفيق، بل ولا يليق بحضور حمدي قنديل أو سويرس.

فتح الدكتور الأسواني النار على الفريق شفيق، وكأن بينهما خلافات أو ثأر لم نسمع عنه، وحاول الحضور تهدئة إنفعالات الأسواني، إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل، حتى يسري فوده مقدم البرنامج والمتحكم في سير الحديث، لم يسلم من الهجوم، فقد اتهمه الأسواني بأنه أعطى الفرصة كاملة لنجيب سويرس باعتباره مالك محطة أون تي في، في تلميح على أنه يخشى من قطع عيشه، ولم تفلح أيضا محاولة حمدي قنديل والذي ظهر وهو يضغط على أرجل الأسواني في حركة واضحة تفسر على أنه يطلب منه

الهدوء، وإذا كان الأسواني ينادي بالديمقراطية وحرية الرأي، فحرية الرأي من أساسياتها الاستماع للرأي الآخر، مع الالتزام بأدب الحوار، وهو ما لم يتبعه مع الفريق شفيق أو أي من الحضور.. وأستمر الأسواني في الهجوم، لحد ارتفعت واختلطت فيه أصوات الحضور جميعا، وكأننا نناقش أمر ما على أحد المقاهي الشعبية.

يا دكتور علاء، الوطنية لا تباع ولا تشترى، والوطنية المصطنعة يسهل على أي ساذج كشفها، فعلى من تزايد بوطنيتك،، إذا كنت تزايد على الفريق شفيق، فللرجل إنجازاته الطويلة والممتدة من حرب أكتوبر إلى وزارة الطيران المدني، وإذا كنت تزايد على المصريين أنفسهم، لن تفلح، فالجميع استوعب من الماضي دروسا وعبرا من المدعيين والمنافقين والوصوليين، ولن تصل إلى مساعيك التي وأن لم يكن يعلمها البعض في السابق، فقد أوضحت لهم نيتك وضوح العيان بحديثك الأخير.

حديثك الأخير، إذا ما أضفنا إليه حديثك السابق عن محمد الصاوي وزير الثقافة في حكومة الفريق شفيق، وتعليقات وأحاديث سابقة كثيرة خرجت بها لوسائل إعلام مختلفة، تبين جميعها محاولاتك للبحث عن موطئ قدم (وزارة الثقافة) في التشكيل الحكومي، ويعاونك في ذلك مجموعة كبيرة من أصدقاء الفكر والإنتماء الواحد، فهم يروجون لك، وأنت تروج لهم، في محاولة لفرض هيمنة وسيطرة على الرأي العام بأفكاركم المسمومة.. وأيضا أقول لك ولأصحاب نفس الفكر والرؤى ستفشلون.. المجال لا يسعكم، قد تكون هناك أمم أمثالك استطاعت أن تخدع الأبرياء من الشباب في فترات الستينات والسبعينات، إلا أن المناخ مختلف الآن، ولن تفلح محاولاتكم في زرع سمومكم بين الناس.. وبمعنى آخر وبالمصري الصريح "مش أوانكم يا دكتور".

وفي النهاية، وبعد أن أزحت عن وجهك القناع وظهرت بصورتك الحقيقية أمام كل المصريين، انصحك يا دكتور علاء أن تكتفي بكتابة القصص والروايات، فقد صنعت لك جمهورا من المكبوتين جنسيا، وحتى لا تفقدهم وتفقد شعبيتك بين المراهقين، واصل كتباتك باللغة العربية، وأرجوك لا تكرر تجربة ترجمة ما تكتب خاصة بعد فشل شيكاغو والتي تباع الآن بسنتات معدودات على الأرصفة في بعد الولايات الأميركية.. ورجاء أخير وبناء على نسبة كبيرة من أهل مصر في الداخل والخارج ، حاول أن تحد من ظهورك على الفضئيات، فقد مللنا من ظهورك المتكرر وجعجعتك، لحد أخشى فيه أن أفتح صنبور المياه لأجدك تنساب منه.

[email protected]