.. وخاف السايب

احمد صفى الدين

الاثنين, 28 فبراير 2011 19:24
بقلم – أحمد صفي الدين:

استكمالا للمقال السابق، أطرح عليكم سؤال وصلني من أحد القراء، حول دور الإعلام الحالي والمستقبلي لاستكمال مسيرة نجاح الثورة، وما إذا كان هناك تواطؤ إعلامي لإجهاض الثورة سواء في مرحلة المخاض أو وهي مازالت في مهدها؟

وللخوض في تفسير دور الإعلام خلال المرحلتين محل السؤال، لابد وإن نشير إلى أن الأدوار كانت واضحة تماما اعتبارا من الخامس والعشرين من يناير، أو بمعنى آخر يمكن تصنيف الإعلام والإعلاميين إلى ثلاثة أنواع، الأول وهو الأكثرية في حينها والموالي للنظام الحاكم والذي لم يدع أي من الوسائل النظيفة أو القذرة إلا واستخدمها لإخماد الثورة، وحاول لاحقا الدخول في ركبها، وفشل لتعريته كاملا أمام الناس بل وأمام أنفسهم لينسحب عدد كبير منهم في هدوء، والثاني وهو الإعلام المايع، والذي لم يكن له موقف مع أو ضد أي من الطرفين (النظام السابق أو الثوار)، إلا أنه أندفع بشدة في اتجاه الثوار فور ظهور مؤشرات نجاح الثورة، والثالث والأخير، وهو الذي تبنى موقف الثورة حتى قبل يوم 25 يناير، وواصل معها الجهاد إلى يومنا هذا.

لكن.. لماذا أصبح الإعلام كله الآن في اتجاه الثورة؟.. وكيف لنا أن نصدق وسيلة إعلامية أو إعلامي كان له دور رئيسي في إهدار دماء الشهداء؟.. وهل يجب محاسبة الإعلاميين الموالين لنظام مبارك باعتبارهم جزء مهم من النظام الفاسد ولابد من تصفيته؟.. والأهم من ذلك كله كيف سمحنا للإعلام المايع يتسلل ويدخل بقوة في صفوف الثوار ضمن محاولات السرقات المتعددة للثورة؟.. بل هل هناك مخاوف حالية من الفئتين الأولى والثانية على استكمال مشوار الثورة إلى النهاية؟.. وكيف يمكننا التعرف على هؤلاء.. وبمعنى آخر إجراء عملية فرز للإعلاميين؟.. وأخيرا هل تتم حاليا مخططات للدخول بالثورة في دهاليز مظلمة بمعاونة الإعلام باعتباره كما ثبت أقوى الأجهزة للقيام بذلك؟

في الوقت الحالي، من الصعوبة جدا إجراء عملية فرز للإعلاميين، فإلى الآن مازالت التصفيات بين الفسدة على أشدها، وسنسمع قريبا عن أسماء بعيدة كل البعد عن بؤر الخيانة، ستتساقط تباعا.. وقد يحتاج هذا الأمر إلى أشهر أو سنوات، إلا أنهم في نهاية الأمر سيسقطون كما سقط النظام السابق، خاصة وأن البيئة المستقبلية للعمل الإعلامي لم تعد صالحة لهم.

أمر آخر مرتبط بالخيانة الإعلامية.. وهنا سأكرر نفس سؤال المقال السابق، وهو "هل نعيش حاليا حالة من التغييب الإعلامي المتعمد عن أمور ما تدار حولها معارك خفية لا نعلم عنها شيء؟".. وإذا كان الأمر كذلك أين الأبواق الإعلامية التي كانت تخرج علينا يوميا للحديث عن المرتزقة والخونة، بل أين سارقي الثورة من كل هذه الأمور.. فهل هم مشاركون في المعارك الخفية.. ولماذا تتغير مواقف البعض منهم حاليا.. ولماذا تضرب فجأة بين وسائل الإعلام عبارات وجمل يتم طرحها بشكل فج للترويج لأمر ما مثلما كان يحدث في النظام السابق؟.. ولما تراجعت المساندة الإعلامية المخلصة (حتى ولو كانت مصطنعة

من البعض) للثورة؟

وللأجابة على التساؤلات السابقة، نبدأ من آخر سؤال، ونعتقد أن هناك خوف كبير بين بعض الإعلاميين المتلونين والاجهزة الإعلامية العميلة للنظام السابق وغير المعروفة للكثير منا، من الاستمرار في دعم الثورة، أو بمعنى آخر بدأ المتحولون من الأبواق الإعلامية يعدلون عن مساندتهم للثورة خوفا من الفضيحة.. نعم الفضيحة.. وهنا لابد من ذكر واقعة المحادثة الشهيرة لخالد صلاح والمنشورة على اليوتيوب، والتي أدلى فيها بتفاصيل كاملة عن سياسة جريدة اليوم السابع واللعب على كل الاحبال، وكانت الفضيحة التي أثببت للجميع كيف يتم التلاعب بالناس البسطاء من خلال سموم إعلامية، ولم تفلح "طظ في حضرتك" لخالد صالح من تبرئة ساحاته، فهو لم يدافع عن ما سمعه الناس وابتعد تماما عن مضمون التسجيل، وأكتفى بتوجيه اللوم للإعلاميين ؟!

لكن.. كيف تم تسريب محادثة خالد صلاح إلى أحد وسائل الإعلام أو حتى إلى اليوتيوب؟

الإجابة ببساطة.. أمن الدولة أو أحد الأجهزة الأمنية أو غير الأمنية التابعة للنظام السابق.. والدليل بسيط للغاية.. من هو الجهاز الوحيد المخول له بالتجسس على المحادثات الهاتفية أو المحادثات عبر الإنترنت (الشاتنج) غير الأجهزة الأمنية، فمن المؤكد هي التي سجلت المحادثة لخالد صلاح واحتفظت بها وسكتت عنها لفترة من الزمان، وعندما دعت الحاجة لاستخدامها طرحتها على الملأ.

وكانت هذه المحادثة بمثابة جرس إنذار لكل من تسول له نفسه من الإعلاميين المتحولين بالحديث من قريب أو بعيد عن النظام السابق واستخدام ما لديه من مستندات أو ملعومات للعب بها واستغلالها لتبرئة ساحته من تهم الخيانة أو استخدامه من قبل نظام مبارك لتضليل الرأي العام، وبمعنى آخر تم التضحية بأحد العملاء ليكون عبرة لغيره من مدعي العفة والطاهرة، أو من يدعون حاليا أن لهم اليد الطولى في إنجاح الثورة من خلال أقلامهم الطاهرة والعفيفة والتي حاربت وجاهدت بل أن بعضهم أكد أنه وضع روحه على كف يديه وهو يحارب النظام الفاسد.

وفي النهاية يبقى السر الكبير الكامن إلى الآن في دهاليز وخزائن أمن الدولة ومسؤولي الحزب الوطني، ولا نعلم لماذا لم تتم محاسبة مسؤولي أمن الدولة عما اقترفوه في حق الشعب، فإذا كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد أمر بالتحقيق مع حبيب العادلي وزير الداخلية السابق حول جرائم اختلاس والاستيلاء على المال العام وحاليا يجرى التحقيق معه فيما نسب إليه من التسبب في إراقة دماء الشهداء، بل ونفس الأوامر وجهت إلى الرئيس السابق نفسه، فلما لم تتخذ أي من الإجراءات ضد أجهزة امن الدولة، فهل هذه الأجهزة أقوى من الرئيس أو وزير الداخلية السابقين، أم أنها من الممنوعات التي لا يجب الاقتراب منها، ومن يحاول سيلقى مصير خالد صلاح وسيتم التنكيل به.. واعتقد أنها نجحت إلى حد كبير في هذا الأمر، فجميع مدعي الشرف والفضيلة سكتوا وتراجعوا خوفا من الفضيحة إنطلاقا من المثل المصري الشهير "أضرب المربوط يخاف السايب".