الحكومة الخفية

احمد صفى الدين

الثلاثاء, 22 فبراير 2011 13:36
بقلم – أحمد صفي الدين:

في كثيير من الأحيان نستخدم بعض المصطلحات عند كتابة الأخبار أو الموضوعات الصحفية للتعريف بأمر أو قضبة ما، على أن يتم تعريف هذه القضية بما يصطلح عليه من أسماء، ويتم تداوله بين كافة وسائل الإعلام لفترات طويلة بالمصطلح المتفق عليه، فعلى سبيل المثال نستخدم جميعا بدون استثناء مصطلح "بناء المستوطنات" فيما يتعلق بتعدي الحكومة الإسرائيلية على أراضي الفلسطينين المغلوب على أمرهم، ونحن بذلك نشير إلى أن إسرائيل تبني على أراضيها، وفي واقع الحال هي محتل يستولي على أرض الغير بغير وجه حق، ونساعدها في إجرامها من خلال ترسيخ استخدام خاطئ لمصطلح "الاستيطان".

وعلى شاكلة "بناء المستوطنات"، نستخدم حاليا مصطلح "الثورة المضادة"، والمعنى الفعلي لكلمة الثورة، هو القضاء على القديم السيء بكل قيمه ورموزه ومنافقيه والمنتفعين من وجوده، من أجل بناء جديد لا يحتفظ من القديم إلا بأصالته وزخمه، ومن ثم فنحن نستخدم مصطلح في غير محله، بل ونفخم من قيمة ما يفعلون، وهو في الحقيقة مؤامرة خبيثة هدفها الرئيسي الرجوع للخلف، والإطاحة بكل فئات الشعب التي قضت على رأس الفساد ومازالت تحارب للقضاء على ما تبقى من جسده.

والسؤال هنا، إذا كان النظام السابق استخدم مجموعة من المصطلحات ضد كل من عارضه، مثل "القلة المنحرفة"، "القلة المندسة"، "العملاء"، "الإرهاب"، "الجماعة المحظورة".. وما إلى ذلك من مصطلحات تورمت رؤوسنا من سماعها، لماذا لا نستخدم نحن إحداها حاليا، وليكن "بقايا الحزب المحظور".

وبعيدا عن المصطلحات ومعانيها والاستخدام الخاطئ لها، جل ما يقلق الكثير منا حاليا - كما أشار الأستاذ محمد حسنين هيكل في حواره مع محمود سعد على الفضائية المصرية - التحركات الخفية وغير المعلنة بين القاهرة وشرم الشيخ، وهو الأمر الذي تعتم عليه أجهزة الإعلام الحكومية إلى الآن، على الرغم من نشر أخبار متفرقة حول تحركات مريبة لسيارات فارهة ورحلات جوية بطائرات خاصة لكبار المسؤولين في النظام السابق، وأخبار أخرى حول تلقي مبارك لاتصالات من كل مكان، وأن التليفونات لا تتوقف بين القاهرة وشرم الشيخ، واجتماعات بين كبار المسؤولين في الحزب الوطني بشرم الشيخ، وما إلى

ذلك من إشارات كثيرة تدل في نهايتها ان هناك ترتيبات مريبة يتم تجهيزها الآن لعمل هجوم مضاد على ثورة الخامس والعشرين من يناير.

إذن، فنحن أمام خطر قد يداهمنا في أي لحظة، مصدر هذا الخطر شرم الشيخ التي يعيش فيها حاليا الرئيس المخلوع.. فهل يشكل بقاء مبارك في شرم الشيخ حاليا مركزا مناوئا للثورة قد يؤدي إلى مشاكل من شأنها هز الثقة في الثورة، أو رجوع الحزب الوطني بصورة أو بأخرى إلى سدة الحكم، ولا يهم هنا أن يكون مبارك رئيسا للبلاد، المهم أن يستولي الحزب على الحكم، وبالتبعية سينجو مبارك واتباعه بما اقترفوه بحق الشعب من قتل وسرقات وسلب ونهب.

والأمر المثير للدهشة، هو تسلسل تساقط النظام المخلوع، فمن الطبيعي أن يبدأ السقوط من أعلى لأسفل وليس العكس، وما نشاهده الآن هو الزج بالصف الثاني من جنود النظام الفاسد، فقد تم التضحية مبدئيا بكل من عز، والعادلي، والمغربي، وجرانة، وهي أبرز الأسماء إلى الآن، وفي خطوة لاحقة تم الزج بالصف الثالث، ولا يسع المجال لذكرهم.. وهم جميعا أعوان جمال مبارك، والذي يشاع عنه حاليا أنه يستعد لشن حملة مضادة للثورة بمساعدة بعض عناصر الحزب الوطني المنحل، من خلال إغراءات مالية سخية لتجنيد ضعاف النفوس للمشاركة في القضاء على ثورة يناير.

وإذا كانت هناك حملة تطهير تجرى حاليا، لماذا لم يتم توجيه الاتهامات لمبارك نفسه.. قد يقول البعض أن هناك صفقة ما تمت من أجل التنحي.. وهو رأي أقرب للواقع.. وإذا ما نسينا أخطاء الرئيس والتنكيل بشعبه، أو نتفق مع الرأي الكاذب الذي يدعي أن الرئيس كان مضللا وكانت تقدم إليه تقارير مغايرة للواقع، لماذا لم يتم إلى الآن مساءلة معاونيه الرئيسيين الثلاثة، صفوت الشريف، وزكريا عزمي، وفتحي سرور، وهم أيضا أبطال الصف الأول من

إدارة الفساد.. فهل تجاهلهم إلى الآن متعمد؟.. أم أنهم أصحاب أيادي بيضاء وكل ما ينشر حولهم أكاذيب لا أساس لها من الصحة، وأن المستندات التي تعرض في مختلف وسائل الإعلام مزورة وملفقة، وأن المعلومات التي يدلي بها بعض المسؤولين السابقين المشهود لهم بالنزاهة والضمير ضدهم هي مجرد أحقاد؟.

نحن على ثقة في أن القوات المسلحة تقوم بدور كبير لإعادة الاستقرار إلى البلاد، وأيضا تعمل جاهدة على تنفيذ كافة وعودها للشعب وتحقيق مطالب الثورة والثوار، لكن ما يقلقني التحرك البطيء للحكومة المؤقتة والانقتاء في مساءلة المسؤولين السابقين.. وإذا كان الفريق شفيق يحاول جاهدا كسب ثقة الشعب والثورة فيما يقوم به حاليا، لماذا لم يتحدث إلى الآن عن نيته في كيفية التعامل مع الأموال المنهوبة أو استرجاعها من كافة المتورطين، باستثناء الرئيس المخلوع فالمساءلة هنا تخضع للمؤسسة العسكرية، ولما لم يشر في أي من المؤتمرات الصحفية من قريب أو بعيد عن أعضاء الصف الأول من النظام السابق، وأيضا لما يلتف حول تساؤلات الصحفيين عن صحة الرئيس السابق.. وأسئلة أخرى كثيرة قد تبعدنا عن لب الموضوع إذا ما طرحناها حاليا.

خلاصة القول، إذا كان الشعب قد خلع مبارك، وطالب برحيله، وتم التفاهم على خروجه بشكل يليق بمكانته، واختار شرم الشيخ للإقامة ورفض كافة العروض التي تقدمت بها العديد من الدول لاستضافته، وإذا كنا نرى تحركات مريبة بين شرم الشيخ والقاهرة، وإذا غضت الحكومة الطرف عن مساءلة مثلث الرعب (الشريف وسرور وعزمي)، وإذا كان الفريق شفيق يريد كسب ثقة الشعب.. فلما لا يتم إخراج من شرم الشيخ ونقله إلى قصره بمصر الجديدة ووسط نفس الحراسة المشددة، ولما لم يتم بدء محاسبة مسؤولي الصف الأول إلى الآن، وهم كما نعتقد من يقومون حاليا بمساعدة الرئيس المخلوع في التخطيط لشن هجمة مضادة، والعودة بصورة أكثر شراسة للانتقام.. وإذا كانت كل هذه الأمور المعني بها المؤسسة العسكرية فقط، فلما لا تقدم على هذا الأمر لإخماد نار الفتن وكسب مزيد من ثقة الشعب.

وكلمة أخيرة، لابد من ضمانات قوية لنجاح الثورة، هذه الضمانات لن يوفرها سوى المؤسسة العسكرية والحكومة المؤقتة، نحن هنا لا ننكر الجهود الكبيرة التي يقومان بها، سواء من إعادة الأمن إلى البلاد، ومساءلة بعض رموز الفساد، والتعديلات الدستورية، والقرارات الكثيرة التي أعادت بالفعل الثقة إلى الشعب.. لكن مازالت المخاوف تحيط بنا، ولن يهدأ منها سوى ضمان السيطرة على تحركات واتصالات الرئيس المخلوع، وعزله تماما عن معاونيه في النظام السابق سواء من الحكومة أو الحزب، وكذلك ضرورة التعجيل بمساءلة مسؤولي الصف الأول، والقضاء فعليا على الحكومة الخفية في شرم الشيخ.