رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

درس جماعي

احمد صفى الدين

الثلاثاء, 18 يناير 2011 14:23
بقلم – أحمد صفي الدين:

لم اتعجب من موقف العديد من دول العالم، وفي مقدمتها الغرب، حين أدارت ظهورها للرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، والذي ظل محلقا بطائرته ولم يجد من يستضيفه، حتى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أقرب المقربين إليه – كما كان في مخيلته - رفض استقباله، بحجة عدم إثارة استياء الجالية التونسية في فرنسا.

وبذكر تخلي ساركوزي عن بن علي، يمكننا التعرف بوضوح على العلاقة بين الغرب والرؤساء العرب، فلم يكن موقف الرئيس الفرنسي الوحيد من نوعه، بل تقريبا كافة رؤساء الدول، فبعد أن كانو يتغنون ويشيدون بأداء بن علي وتطبيقه للديمقراطية في بلاده، غيروا من وجهتهم سريعا ليصبح الرئيس التونسي المخلوع ظالما مستبدا، بل يصل الأمر إلى حد المباركة للثورة والإطاحة بالرئيس كما جاء على لسان الرئيس الأميركي باراك أوباما، أو كما ظهر من تصريحات الخارجية البريطانية، والتي أكدت أن تونس تعيش لحظة تاريخية وأن التونسيين عبروا عن تطلعاتهم.

فقد تجلت سياسة العالم تجاه العرب في الرضوخ أمام المطالب المشروعة للشعب التونسي، فلم يخرج رئيس أي دولة، أو مسؤول منظمة ما ليدين ويشجب، وأعتقد أن الإنقلاب لو كان فشل، لشاهدنا سيل من الشجب والإدانة للفئة المنحرفة التي أقدمت على هذا العمل الإجرامي، وأيضا ثناء ومديح على بن علي وصبره على شعبه المفتري، ونحمد الله على نجاح الإنقلاب وخلع ديكتاتور لم

نظن يوما إمكانية خلعه في المستقبل القريب، ونستخلص من هذا أن الشعوب بإرادتها وإصرارها وإيمانها بقضيتها يمكن أن توجه السياسة الداخلية والخارجية وفق إرادتها، وأن ما تطلبه من حقوق مشروعة يمكن تحقيقه، مهما كانت قوة وقدرات الحاكم أو الحكومة.

لكن.. هل استفاد حكام العالم خاصة في منطقتنا العربية من درس بن علي؟.. هذا الرجل الذي كان يصنف ضمن الحكام الذين يقبضون على زمام الحكم في بلادهم بقبضة من حديد.. فقد أحكم قبضته في الداخل والخارج.. ولم يتبادر إلى أذهان الكثير منا سقوط هذا الطاغية بهذه السرعة.

ويحضرني هنا زيارتي إلى تونس الخضراء عام 2003، حيث تعرفت خلالها على أناس من أهل هذه البلد الطيبة، ووجدتهم لا يختلفون كثيرا في طقوس حياتهم عن الشعب المصري، تجمعنا بهم طبائع وسمات كثيرة، في مقدمتها عشق الفن والدعابة والمرح، أما الكرم والشهامة والأخلاق الحميدة فهي سمات عامة للشعب التونسي، إلا أنني لاحظت أن الغالبية لديهم حزن دفين، لا يقدرون على البوح به، والكلام في السياسة أو أي من الأمور الداخلية ممنوع، ولم يفسر لي هذا الأمر سوى السائق الذي كان يرافقني خلال إقامتي في تونس الخضراء،

حيث حذرني من الحديث في السياسة أو أي أمور أخرى تتعلق بالبلد، وإلا سأواجه مشاكل كثيرة، وقد أتسبب في ضرر للغير من أهل البلد، وسألته أعرف أن تونس يحكمها رجال الشرطة، وأعرف أيضا أنها بلد بوليسة في المقام الأول، لكن ليس إلى هذا الحد، فقال لي من الأفضل أن تكون حذرا في حديثك.. ولا أخفي عليكم سرا، سمعت الكلام ونفذته ولم أتفوه بكلمة واحدة، رغم أنني كنت مدعو لملتقى يتحدث عن السياسة في الشرق الأوسط.

أيقنت بعد هذه الزيارة، أن زين العابدين بن علي من الرؤساء الذي سيرحلون عن الحكم بالموت، شأنه شأن غالبية الحكام العرب، فقد أحكم قبضته بقوة على الدولة، وله من العلاقات الخارجية ما يؤمن له احتفاظه بالكرسي، وسيكون مستقبلا رئيسا راحلا، ولن يكون أبدا رئيسا سابقا.. لكن والحمد لله خاب ظني، فقد أصبح سابقا ومخلوعا ومطرودا، وندعو الله أن تنعم تونس بالأمن والأمان، ويبارك لهم في ثورتهم.

لكن.. ترى فيما يفكر بن علي حاليا؟.. اعتقد إنه يشاهد حاليا "شريط" ذكرياته في الرئاسة، وكيف وصل إلى الحكم وكيف أنتهى به الحال، ويدعو الله أن يرجع إلى بلاده ليمضي بها ما تبقى من العمر.. لكن هل لو رجع الزمن إلى الوراء قليلا لتعلم بن علي من هذا الدرس القاسي؟.. وهل كان سيفي بوعوده كما أكد في خطابه الأخير الذي تذلل فيه لشعبه أن يثق فيه هذه المرة؟.. وهل سيعرف أنه مهما كانت قوته الخارجية لن ينصره إلا أهل بلده وعشيرته؟.. وأن حب الشعب والعمل على راحته هو الضمانة الوحيدة للبقاء في الحكم؟

وفي النهاية.. هل بن علي وحده هو الذي تعلم من درس الخلع.. أم أنه درس جماعي للعديد من الحكام؟

[email protected]