رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

محطات

"العُبُودِية" في مصر المعاصرة

ابراهيم عبدالمعطي

الثلاثاء, 14 يونيو 2011 09:26
بقلم- إبراهيم عبدالمعطي

استوقفتني كلمة كتبها الدكتور جلال أمين في كتابه "ماذا حدث للمصريين؟" في فصل عنوانه "أسياد وخدم" يقول فيها: "إذا وجدت أن العمل الإنساني في بلد ما، يكفي للحصول عليه أن تقدم للعامل الحد الأدني من القوت والملبس والمسكن، فأنت في بلد أقرب إلي نظام العبودية أو السخرية، إذ هكذا يعامل العبد: لا يعطيه سيده أجرا، بل يعطيه ما يسد رمقه. ولكن إذا وجدت بلدا لا تستطيع الحصول فيه علي العامل إلا إذا وفرت له سيارة أو سيارتين لاستخدامه الشخصي، فأنت بصدد بلد متقدم اقتصاديا".

معني هذا الكلام أن معظم المصريين يعانون من العبودية، فالحكومة لا تقدم الحد الأدني للأجور المحدد بألفين ومئتي جنيه، والقطاع الخاص يدفع رواتب مقاربة لما تدفعه الحكومة أو أقل، وتكون النتيجة أن يخرج المواطن المصري من مقر عمله الصباحي ليتوجه إلي عمل آخر في المساء، وربما يعمل في ثلاثة أماكن في اليوم الواحد، من أجل أن يوفي التزاماته تجاه أسرته، وإذا كان شابا فإنه يؤثر السلامة ويطرد من تفكيره مسألة الزواج لكي يريح نفسه من همِّ المسئوليات الأسرية، ويكتفي بتوفير احتياجاته من مأكل ومشرب وملبس بالكاد،

وهذا النوع من الشباب هو المحظوظ، لأنه عثر علي عمل، في حين أن أقرانه يواجهون مذلة مواصلة الحصول علي المصروف اليومي من الأهل، بما يمثل عبئا علي رب الأسرة الذي كان يصرف علي ابنه أو ابنته الأموال الطائلة من أجل تعليم جيد، لتكون النتيجة أفرادا ينضمون إلي طابور العاطلين.

إذا تعمقنا في المسألة أكثر، نجد أن كثيرا من رجال الأعمال يحرصون علي الحصول علي أقصي ما لدي الموظف أو العامل من طاقة، ويتصورون أن المرتبات التي يدفعونها لهم كبيرة، رغم أن مرتب أحد الموظفين قد لا يكفي لإعداد وجبة لأسرة صاحب العمل، وإحدي سهراته قد تكلف مبلغا يساوي المرتبات التي يدفعها في شهر كامل للعاملين في مؤسسته. ويمارس رب العمل المعاملة القاسية مع موظفيه، وكأنهم عبيد لديه، اشتراهم بالمال الزهيد الذي يدفعه لهم في نهاية الشهر، ولا يسلم من الخصومات، ولنا مثل في أصحاب المدارس الخاصة الذين طلبوا زيادة المصاريف الدراسية في العام الجديد خشية وصول

الحال بهم إلي الإفلاس! ويدَّعون أنهم يدفعون أموالا طائلة للمدرسين والموظفين، في حين أن الأرقام تكذِّب ادعاءاتهم، فالمدرس لا يزيد أجره في معظم المدارس عن أربعمائة جنيه في بداية عمله.

ولا يقتصر الحال علي أصحاب المؤسسات الكبيرة، فأصحاب الورش والمحلات الصغيرة يعاملون الصبية الذين يعملون لديهم معاملة العبيد، يذيقونهم ألوان الضرب والتعذيب والإهانات والشتائم، وكل ذلك مقابل جنيهات لا تسمن ولا تغني من جوع، يحصل عليها الفتي من الأسطي الذي رباه أسطي آخر في صغره بالطريقة نفسها، لكي ندور في دائرة مفرغة. والتلذذ بالعبودية، ينطبق، كذلك، علي سائق المترو الذي يتوقف في بعض المحطات للحديث مع أحد زملائه، أو تناول الشاي في محطة الدمرداش، وكذلك سائق الأتوبيس الذي يتوقف أحيانا لكي يقف له الكمساري لشراء الخبز أو الكشري أو الفول والطعمية، ويظل الركاب في المترو والأتوبيس أسري أهواء السائقين الذين يتلذذون بممارسة نظام العبودية علي الآخرين، دون أدني مراعاة لتعطيل مصالحهم، وقس علي ذلك العديد من المصريين المصابين بمرض استعباد الآخرين.

اندلعت ثورة 25 يناير لانتزاع الكرامة والحرية، لكن لم يتغير في مصر شيء إلي الأفضل، الحكومة تسير بخطي بطيئة، بوجوه معظمها قديمة، وكأنها امتداد لنظام "مبارك". ننتظر أن يتحرر المصريون من عبوديتهم، ويصبحوا قادرين علي إعمار كل شبر في بلدهم، بخطط علمية واعية مدروسة، وأن يحتاج "الكل" إلي "الكل" دون أن يتعالي صاحب العمل علي العاملين لديه، ودون أن يمتص الثروة علي حساب عرق وجهد موظفيه.