رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

محطات

عاطف العراقى .. العالِم الإنسان

ابراهيم عبدالمعطي

الثلاثاء, 06 مارس 2012 08:59
بقلم - إبراهيم عبدالمعطي

رغم أن الموت هو الحقيقة الجلية التى لا خلاف عليها بين البشر، إلا أنه من الصعب على النفس استيعاب اختفاء بعض الأشخاص أو تصور أنك لن تراهم مرة أخرى، هذا النوع من الناس هو من يترك علامة فى حياتك، أو تلمس فيه ميزة ترجو أن تتحقق لك.

من هؤلاء الصنف من الناس الدكتور عاطف العراقى، باغتنى خبر وفاته على شبكة الإنترنت أثناء بحثى عن الأخبار الجديدة، لم أتوقع أن أقرأ مثل هذا الخبر، منعتنى الظروف من لقائه خلال السنوات الماضية، حالت بينى وبينه ظروف الغربة خارج مصر عدة سنوات، ثم أقام المرض حاجزا بينى وبين كثيرين ممن أحب وأقدِّر من البشر، لم تنقطع الاتصالات الهاتفية بيننا، رغم أنها كانت على فترات متباعدة خلال السنوات الأخيرة، وكنت أخجل كثيرا حين كان يسبقنى –فى كثير من الأحيان- إلى الاتصال للتهنئة بقدوم شهر رمضان أو عيد الفطر أو عيد الأضحى وغيرها من المناسبات، لأن الواجب أن يتصل الصغير بالعالم الكبير، وفى مكالماته الأخيرة كان يقول لى: «أرجو أن نلتقى قريبا.. حدد الموعد الذى يناسبك.. يا إبراهيم هذه عشرة عمر». وقد بلغت شدة تواضعه أنه كان يستهل إهداء كتبه الجديدة إلى بقوله: «إلى أخى وصديقى والعزيز». لم أكن أحد تلاميذه بالمعنى المعروف لتلقى العلم فى الجامعة، لكننى تتلمذت عليه فى محاضراته

العامة والندوات التى يشارك فيها، ويضاف إلى ذلك كتبه المتعددة التى تشهد له بغزارة العلم والعمق المعرفى، وأيضا مقالاته التى لم تنقطع فى الصحف والمجلات، ومنها مقالاته فى مجلة «الهلال» والتى خصصها خلال العامين الأخيرين لدراسة «مشكلة الإنسان فى فكرنا العربى الحديث والمعاصر» وتناول هذا الجانب عند مفكرين منهم: رفاعة الطهطاوى، وجمال الدين الأفغانى، وعبدالرحمن الكواكبى، والإمام محمد عبده، وقاسم أمين، والشيخ مصطفى عبدالرازق، وأحمد أمين، ومحمد حسين هيكل، ويوسف كرم، وأحمد لطفى السيد، وعباس محمود العقاد، وأمين الخولى، وأحمد فؤاد الأهوانى، وطه حسين، وبول غليونجى، وعبدالحليم منتصر، ومحمد ثابت الفندى، وحامد جوهر، وسلامة موسى، وعثمان أمين، وعلى عبدالواحد وافى، وتوفيق الحكيم، ويوسف إدريس، وجمال حمدان، ومحمد عزيز الحبابى، وتوفيق الطويل، ومحمد إقبال، وشوقى ضيف، وصولا إلى صديقه عزمى إسلام فى مقال شهر فبراير الماضى، وعنوان المقال هو «رحلة على الطريق الصعب» وتشعر فى بعض جوانب المقال أن العراقى يتحدث عن نفسه وعن رحلته العلمية الصعبة، وعند استدعاء إشارته إلى الأيام الأخيرة فى حياة إسلام عزمى تشعر كأن العراقى ينعى نفسه، عندما يقول: «لقد اختار عزمى إسلام لنفسه
الطريق الصعب. لقد كان باحثا جادا ملتزما طوال حياته. كنت أشعر بجديته وإصراره على الكفاح حتى فى السنوات الأخيرة قبيل وفاته، وكان يشكو من متاعب قلبه. كنا كثيرا ما نلتقى، وحتى فى الشهور القليلة التى سبقت وفاته، وكنا لا نتحدث إلا فى همومنا العلمية والثقافية». وأرجو من المثقف المحترم حلمى النمنم رئيس مجلس إدارة دار الهلال أن يعمل على نشر هذه المقالات فى كتاب يصدر عن الدار.
رحل العراقى أثناء أداء رسالته العلمية، نصحه الأطباء صباحا بأن يبقى فى المستشفى لإجراء بعض الفحوصات، أبى إلا أن يغادر، ففى المساء محاضرة لا يستطيع أن يتخلف عنها، لم يستطع أن يتخلى عن التزامه العلمى حتى فى أشد لحظات الألم والتعب، كانت قاعة المحاضرات فى المعهد العالى للدراسات الإسلامية تناديه لينال شرف لقاء ربه أثناء أداء رسالة ورثة الأنبياء. أخلص الرجل للعلم، فاستحق هذا الشرف العظيم.
تجلت فى العراقى سمات العلماء الذين يُخضِعون المقولات للبحث العلمى النقدى، وكان للعقل قيمة كبيرة لديه، واستعان بميزان العلم فى تصنيف المشتغلين بالثقافة إلى مثقفين وأشباه مثقفين، ولم يكن يرضى بالمجاملات الفارغة التى لا تفيد، وظل طوال حياته يحتفى بالشخصيات التى تركت أثرا علميا ملموسا، ونأى بنفسه عمن أسماهم بأشباه المثقفين، وترك لنا مؤلفات ازدانت بدراسة عمالقة العلماء والمفكرين فى العصور المختلفة، ومن كتبه «النزعة العقلية فى فلسفة ابن رشد» و«الفلسفة الطبيعية عند ابن سينا» و«مذاهب فلاسفة المشرق» وغير ذلك عدد كبير من الكتب والبحوث والمقالات القيمة. ولأن الوفاء من أخلاقه، فقد أشرف على مجموعة من الكتب التذكارية عن مفكرين منهم: يوسف كرم، وأبو الوفا التفتازانى، وزكى نجيب محمود، وفؤاد زكريا. رحم الله عاطف العراقى العالِم الإنسان.
[email protected]