رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

كيف فقد "مبارك" حكمته؟

بقلم : إبراهيم عبدالمعطي

منذ سنوات وإلى وقت قريب كان الرئيس السابق محمد حسني مبارك يوصف بأنه الرجل الحكيم في المنطقة، ظل الملجأ الأخير لحل مشكلات المصريين التي تزايدت ببقائه في السلطة، تدخل بالفعل لحل العديد من الأزمات، لكن معظمها استمر معلقا لا يجد حلا، ولا يصادف حكمة الرئيس، وسنة وراء أخرى يكبر عمر الرئيس وتضعف صحته، وبالتدريج يفقد بعض صلاحياته ليلتقطها من حوله، وعلى رأسهم ابنه "جمال" لتتناقص حكمة الرئيس، وكانت النتيجة أن تفاقمت المشكلات في البلاد، غاب عن المصريين الأمن الغذائي الذي كانوا يتمتعون به فيما سبق من أعوام، أكلوا الخبز المختلط بالشوائب، تناولوه بالسوس والفطريات التي أكلت صحتهم بدلا من أن تزيدهم عافية، قللوا كمية اللحم في طعامهم ثم تخلوا عنه لعدم قدرتهم على شرائه، ولم يبق لهم إلا الفول والسكر والشاي، لكن يد الحكومة تعاونت مع رغبة رجال الأعمال، فارتفعت أسعار هذه السلع الضرورية، اضطر كثير منهم إلى التخلي عن الفول طعامهم الشعبي، واكتفوا بتناول الخبز المغموس في الشاي، لكن حتى هذا غير مضمون لارتفاع أسعار السكر إلى الضعف خلال عام واحد، فكروا: هل يأتي يوم لا يأكلون فيه ولا يشربون وينتظرون الموت لأن حكمة الرئيس غابت؟

 

شرب المصريون الماء مخلوطا بمياه المجاري،

تعبت أكبادهم، أصابها فيروس سي، لم تعد قواهم قادرة على مساعدتهم على العمل، ولم يجدوا أموالا تعينهم على العلاج، لأن الطب المجاني لم يعد له وجود في مصر، اقتصر على سارقي أموال الشعب وغذاء بطونهم، جلس الفقراء ينتظرون الموت، ويستمعون إلى الرئيس يخبرهم بأنه ينحاز إلى الفقراء، وينظرون حولهم فلا يجدون أثرا لما يقول، انتظروا تدخل حكمته، لكنها لم تصل إليهم بطوق النجاة.

انتشر البلطجية في البلاد، اعتدوا على من يعترض طريقهم، لم يجد المواطن من ينصفه لأن الشرطة تحالفت مع قانون البلطجة، واستعان الحزب الحاكم بهؤلاء في سرقة أصوات الشعب في الانتخابات البرلمانية، دفعوا لهم خمسين جنيها أو ما يزيد مقابل سلب أصواتهم، ارتضوا أن يضعوا اللصوص والمنافقين على كراسي المجالس ليواصلوا النهب والسرقة، ومال الفقراء إلى الموت البطيء الذي ظنوه مؤقتا، لانتظارهم حكمة الرئيس التي تأبى إنقاذهم. جلس مصاصو دماء الشعب على الكراسي، قرروا تعويض الأموال التي دفعوها في تزوير الانتخابات، واصلوا رفع الأسعار بجنون دون رحمة، مدركين أن حكمة الرئيس غائبة عن الشعب.

فاض الكيل بالشعب، نادى بأعلى صوته: أين حكمة الرئيس؟ يا حكمة الرئيس أجيبي، يا حكمة الرئيس أدركينا إن كنت ما زلت تتنفسين، لكن حكمة الرئيس اختفت ولم تظهر، ذهب الشعب إلى ميدان التحرير يبحث عن حكمة الرئيس، لم يجدها، أعلن أن "الشعب يريد إسقاط النظام" ليبحث عن رئيس جديد يتمتع بالحكمة، ومصر مليئة بالحكماء الذين احتجب عنهم الضوء بسبب حكمة الرئيس.. ازدادت الأصوات ارتفاعا في ميدان التحرير، بعد عدة أيام ظهرت صورة الرئيس فاقدا حكمته، واصل الشعب اعتصامه في الميدان، ظهر الرئيس مرة أخرى، خاطب عواطفهم، جذب بعضهم إليه، انصرف بعضهم عن الميدان تجاوبا مع الرئيس، لكن المستفيدين من نظام الرئيس هجموا على الباقين في الميدان وحولوه إلى ساحة لمعركة بالخيول والحمير والعصي والسكاكين وكأننا نشاهد أحد المسلسلات التاريخية، تبادل الطرفان الرشق بالحجارة، عاد من ترك الميدان، وانطلق الرصاص في الفجر صوب المتمسكين بالميدان، سقط القتلى ولم تظهر حكمة الرئيس، وفقد الرجل ما كسبه من تعاطف.

قال الرئيس إنه يريد أن يرحل ويستريح، لكنه يخشى الفوضى، ولم تسعفه حكمته ليسأل نفسه: أليس وجودي سبب للفوضى؟ تشبث بالكرسي، أغلق أذنيه عن سماع صوت الشعب، ذهب أعوانه يتهمون المتمسكين بميدان التحرير بأنهم عملاء، لتشتعل الأوضاع في غياب حكمة الرئيس. وتمسك المرابطون في خندق الرئيس بأنهم باقون لتغيير الدستور، ولا يصلح نقل السلطة قبل تغيير الدستور، ونسوا أن الشعب لا يريد الدستور الذي يحمون به أنفسهم.

أخيرا فهم "مبارك" الرسالة، لكن بعد فوات الأوان، وضياع حكمته إلى الأبد، والله أعلم كيف سيعيش أيامه الأخيرة بدون حكمته الضائعة.

[email protected]