رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

ليه ما كانش فيه فتنة طائفية زمان؟

بقلم: إبراهيم عبدالمجيد

سؤال سألته لي فتاة علي الفيس بوك.. قلت لها هذا يحتاج منك الي دراسة »زمان«.  يحتاج إلي قراءة الصحف في النصف الأول من القرن العشرين أكثر من قراءة كتب التاريخ والمؤرخين.. وأنا شخصياً جاءتني هذه الفرصة منذ عشرين سنة حين بدأت كتابة روايتي »لا أحد ينام في الإسكندرية«، فالرواية رغم أنها تدور في سنوات الحرب العالمية الثانية إلا أني قرأت صحافة عدة سنوات قبلها ثم سنوات الحرب، بالإضافة الي أنني طبعا قرأت من قبل كتب أهم المؤرخين المصريين عن مصر الحديثة منذ محمد علي إلي ثورة يوليو.. مؤرخين مثل عبدالرحمن الرافعي وعبدالعظيم رمضان ومحمد أنيس وطارق البشري وصلاح عيسي وغيرهم.

في صحافة ذلك الوقت حيث كان هناك في مصر أقباط ومسلمون وكذلك يهود ويونانيون وإيطاليون وأرمن وشوام وإنجليز وفرنسيون وغيرهم وكانت تقع في مصر حوادث وإن لم تكن بالنسبة التي تقع  بها الآن.. حوادث قتل لا تكاد تذكر وحوادث طرق أيضا لا تكاد تذكر وفي كل الحوادث أو المشاجرات بين العائلات في الصعيد مثلاً لم أقرأ في جريد جملة من نوع الاعتداء علي مسيحي أو علي مسلم ولا انقلاب سيارة بعدد من المسيحيين والمسلمين.. وكان الأمر بالنسبة إلي الجاني يتم الإشارة إليه بالجنسية.. يوناني إيطالي أرمني وليس بالديانة أبداً. سألتني مرة ثانية عن شعار ثورة 1919 »يحيا الهلال مع الصليب« ألا يشير إلي ذلك فقلت لها إن هذا الشعار يفهمه الناس غلط. يتصور البعض انه كانت هناك فتنة أراد الانجليز استغلالها، والحقيقة أنه لم يكن هناك فتنة من أي نوع ولكن الإنجليز أرادوا صنعها ففطن الناس ورفعوا الشعار الشهير. وكان من رفاق سعد في الثورة فخري عبدالنور مثلاً، ناهيك عمن كان بعد ذلك في رفقة النحاس من الاقباط مثل

مكرم عبيد.. قالت: وكيف لم ينجح أحد في عمل الفتنة؟.. قلت لها: لأنه في ذلك الوقت أدرك حكام مصر أن النهضة لن تأتي إلا من البلاد المتقدمة.. وكانت أوروبا في ذلك الوقت هي المتقدمة فأرسلوا البعثات إليها منذ عصر محمد علي وبصفة خاصة فرنسا وظل الأمر علي ذلك حتي اتسع في عهد اسماعيل واتسع أكثر مع بداية القرن، ومع افتتاح الجامعة فشمل البلاد الاوروبية الاخري.. وكل من ذهب الي هناك عادة بأفكار تم إنجازها هناك مثل الديمقراطية والمساواة بين الناس وفصل الدين عن السياسة ذلك الذي دفع فيه الأوروبيون ثمناً فادحاً ليتخلصوا من سطوة الكنيسة علي الحكم وهي السطوة التي كانت في العصور الوسطي ومات الكثيرون من المفكرين والعلماء والآلاف من الشعب في سبيل ذلك، ومن ثم فمفكرونا الذين ذهبوا وتعلموا هناك عادوا يجنبوننا هذا الثمن.. وساعدهم حكام أرادوا ذلك رغم انه ليس أجمل لأي حاكم من أن يحكم باسم الله فيذعن له الجميع.

لقد حاول الملك فؤاد ذلك مرة فقامت الدنيا ولم تقعد وتصدي له المفكرون وعلي رأسهم الشيخ علي عبدالرازق وانتهي سعي الملك فؤاد ولم يعد لا هو ولا نجله فاروق إلي ذلك كما لم يذهب قبله الي ذلك أحد من ابناء محمد علي.. عادت وسألتني إذن فالحل هو أن نتجه الي أوروبا من جديد.. قلت لها نتجه الي ما نشاء.. المهم ألا نتجه إلي التخلف، نتجه إلي الدول صانعة النهضة الصناعية والعلمية والثقافية والفنية التي كان من المفروض أن نكون

مثلها الآن سواء كانت هذه الدول في أقصي الشرق، كاليابان أو أقصي الغرب كأمريكا.

عادت وسألتني: أشم في كلامك رائحة لوم للقومية العربية؟.. قلت لها: هذا موضوع انتهي الآن، والدول التي رفعت شعار القومية لم تنجح رغم أهمية الشعار لأنها كانت دولاً ديكتاتورية.. لكن المشكل أن الذين انتقدوا القومية أبشع انتقاد اعتبروها كانت ضد الإسلام فاتجهوا إلي الجزيرة العربية وأتوا لنا بشكل من الإسلام لم نكن نعرفه في تاريخنا الحديث الذي كانت منارة الأزهر فيه شامخة وكانت مساجدنا تبني علي أعظم الطرز، وكان لدينا أعظم قراء للقرآن بأجمل الأصوات وكانت احتفالاتنا الدينية مضرب الأمثال في البهاء.. حدث ذلك كله في العصر الحديث وأيضا في عصر القومية العربية التي ظلت شعارا.. قالت: عرفت الآن أن المشكلة هي أن أكثر من جيل من الشباب الآن لم يروا ذلك؟.. لم يروا إلا هذه المظاهر الشكلية للدين واختراع عدو غير موجود هو الإخوة المسيحيون ويعتبرون ذلك كله في سبيل الله.

ثم سألتني: ألا يوجد حل لما نحن فيه؟.. قلت يوجد ألف حل وكل الحلول تتلخص في دراسة تاريخنا الحديث كيف كنا غير ذلك وأفضل من ذلك.. وإذا لم يشأ أحد أن يتعب نفسه في الدراسة فعليه أن يقف أمام أي عمارة من عمارات نص البلد القديمة أو حتي العمارات التي بنيت بالستينيات ثم يذهب إلي شارع فيصل أو إلي شارع العشرين - بلاش كده - يقعد يتفرج علي الأفلام القديمة ويشوف الناس كانت بتلبس إيه والشوارع كانت نضيفة إزاي.. بلاش كده.. يشوف تسجيلات لحفلات أم كلثوم أو الأوبرا القديمة.. بلاش كده..  وأخذت أعدد لها مظاهر الجمال التي كانت في بلادنا لكنها طلبت مني أن أرشح لها كتباً تقرأها فرشحت لها كتاب »مستقبل الثقافة في مصر« لطه حسين وكتاب »سندباد مصري« لحسين فوزي.

قالت لي: لقد سمعت شيخ أحد المساجد يسب طه حسين ويقول إنه كافر؟.. قلت لها: إذن اقرأي »علي هامش السيرة« أو »الوعد الحق« أو»ظهور الإسلام« أو »الفتنة الكبري«.. قالت لي: أنا لم أسمع عن حسين فوزي.. قلت لها: جربي، وأزيدك أيضا بقراءة محمد حسين هيكل والعقاد والشيخ مصطفي عبدالرازق.. هؤلاء وغيرهم كانوا مفكري تلك الأيام العظيمة التي كنا فيها مواطنين مصريين.

[email protected]