رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

بالمقلوب

إبداع

الاثنين, 13 يونيو 2011 15:12
قصة قصيرة كتبها:د. حمدى حمودة

منذ أن عمل ماسحا للأحذية ، وهو يشعر أنه يعيش بالمقلوب ، المرآة الكبيرة تقع خلفــــه

تعكس وجوه الجالسين فى المرآة التى أمامه بالمقلوب ، كثيرا ما يحملق فى وجـــــــــــوه

الناظرين فيها بين وهلة وأخرى وهو منكب على عمله ...!

من بين الزبائن من يسوى شاربه ، أو يعدل قميصه ، أو يعيد احدى خصلات شعره التى

حركها الهواء الى مكانها مرة أخرى ، وقد يفعل ذلك وهو يبتسم للمرآة ، وقد يفعل ذلــك

وهو مكشر عن أنيابه ..! يفعل ذلك كله وهو لايدرى أن القابع على الأرض يلاحظ كـــل

هذه الأفعال فى صمت شديد ، الرجل تحتويه قناعة بأنه يعيش حياته كلها بالمقلوب لكونه

دائما وأبدا تحت الكرسى وليس فوقه ...! ولأنه دائما تقع عيناه على الأقدام أولا ..لا على

الوجوه ...! لذلك كان دائما ما يتحدث مع نفسه ، ماذا لو كان احترف حرفة أخرى غيـــر

ماسح للأحذية ..؟

قال لنفسه مرة وهو منكب على مسح حذاء موحل بالطين ، لو كانت الظروف جعلــــــت

منى حلاقا مثلا، لكنت أكثر سعادة مما أنا عليه الآن ، فالمرآة ستكون أمامى وليســـــــت

من خلفى ...! سأرى الوجوه جلية أمامى ، وكنت قد قمت بتنظيف أفضل جزء وهبـــــــه

الله للإنسان ... الرأس .!! بدلا من أدنى شئ فيه .. الأقدام ..! ربما ذلك كان سيمكننـــــى

من أن أرى أجمل ما فى الإنسان ، ملامحه ،ولون بشرته ، وربما أتخلل الى أفكاره ..!!

بعد كل هذا الحوار الطويل ، عاد وسأل نفسه ، هل أنا الذى اخترت هذه الحرفة ..؟ أم هى التى اختارتنى ..؟ ولكنه سرعان ما تذكر الإجابة ، ففى الماضى كان يكره كل شئ

صعب ، وكل ما يحتاج منه الى بذل القوة أو الى أى مجهود فكرى ، وكان

يبحث دائمـــا

الى ما هو سهل لا يكلفه فكرا ولا طاقة ..!! لذلك كان يرفض دائماكل الأعمال المحتاجـة

منه الى جهد ، والتى كان يعرضها عليه والده ، وعندما لامه وأنبه ، قال له إننى أبحـــث

عن السهل الممتنع ، فقال له والده ، وأين هو هذا السهل فى هذا الزمان يابنى ..!؟ عليـك

أن تعلم جيدا أن أى شئ سهل لايمكن أن يكون بمثابة حرفة أو مهنة ..! فلابد من بــــذل

الجهد والعرق ...!! لكن كسله وبحثه عن السهل أوصله الى الجلوس على الأرض خلف

المرآة ، ليرى الصورة بالمقلوب ...!!

أخذ مايكل نفسا عميقا ثم تنهد ونظر الى الكرسى الخالى ، شعر بشئ يربطه بالكرســــى

فأحيانا ما يشعر بالرضا عندما ينظر الى الجالسين على هذا الكرسى،وهم يشعرون بنوع

من الخيلاء عند جلوسهم عليه ، ثم عاد وسأل نفسه ... هل ياترى يشعر الجالسون علــــى كرسى الحلاق بنفس الشعور من الخيلاء والغرور..؟ ربما ..! لكن هناك فرق ..!

عاد مايكل بنفسه الى الوراء ، ليتذكر شيئا من طفولته ، رأى نفسه عندما كان يقـــــــــف

ساعات طوال ينظر لأبو قردان العاري السيقان ، وظهورها القوية ، هذا المنظر كـــــان

يشده كثيرا لدرجة الضحك ..!

يسأله والده عن سبب هذا الضحك ..؟ فهذا خلق من خلق الله ، فيجيب مايكل بالســـؤال

على سؤال والده ، ترى ماذا لو أن الطاووس وأبو قردان اجتمعا فى قفص واحد ..؟

نظر الأب الى ابنه وهو الصبى ابن الثامنة ، وكأنه رجل فى الثلاثينيات ، خاصة عندمـا

أجاب الصبى على السؤال الذى طرحه على والده .

أعاد مايكل الشريط أمامه ، وهو مبتسم ضاحك معيدا على نفسه السؤال ، ثم يتمتم قائلا

هو الطاووس ، المتعاجب بنفسه ، شديد الغرور ، ينظر بازدراء شديد لمن تحته ، فمـــن

يكون أبو قردان هذا ..!؟ أنا الطاووس ، المتكبر المتغطرس ، مثلى مثل من يعتــــــــــلى

الكرسى ، ينتفخ ريشه ويزهو بألوانه الزاهية المتعددة غير آبه بمن أسفله...!!

هؤلاء الصنف من البشر يظنون أنهم أذكياء من شدة الغرور الذى يتملكهم ، وهم حقيقـــة

أكثر الناس غباء لأنهم لايعلمون أنهم مهما طال بهم الأمد فإنهم زائلون ، والكرسى باق.!

استعاد مايكل نفسه ، عندما أفاق فجأة وهو ينظر على حذائه ليجده فى حالة مزرية يريد

من يقوم بتنظيفه ، عندها خطر له أن يذهب لصالون آخر لمسح الأحذية فى نهايــــــــــة

الشارع ، ويجرب ولو لمرة واحدة الشعور الذى سينتابه عندما يجلس على الكرسى ...!

بالفعل ذهب وجلس على كرسى من الجلد الطرى ، المرآة من أمامه ، ومن تحته رجل

فى مثل عمره جالس أمام الأقدام ، رمقه بنظرة كلها شفقة وحزن ، وذهب مع نفســــــــه

يستعيد قطار العمر الذى قضاه قابعا تحت الكرسى ماسحا للأحذية ،ليستفيق على صوت

الرجل القابع أسفل منه وهو يتمتم بحروف أغنية قديمة كان يغنيها سيد درويش وهــــو

يعمل فاعلا فى صباه ، عندها ترغرغت عيناه بالدموع اشفاقا على نفسه وعلى زميـــــل

مهنته ، وبعدها سمع رنين الجرس الذى يعلن دائما عن اتمام المهمة ، إلا أن إحساســـــه

بالراحة الكاملة على الكرسى جعله يتردد فى مغادرته ..! ولكن عليه بالضرورة مغادرة

المكان حتى لايتملك منه الكرسى ، فقفز مسرعا ثم وضع يده فى جيبه ليخرج كل ما لديه

ويناوله لزميله بنفس راضية ..!

أخذ مايكل طريقه للمنزل ، لكنه شعر بدوار خفيف قد أصابه عندما استطاعت أن تخدعه

نفسه ولو لدقائق بالزهو والغرور وهو جالس على الكرسى ، فهو أولا وأخيرا لايعـــدو

عن كونه ماسحا للأحذية فى صالون آخر ..!!

سار مايكل فى طريقه وهو ينظر الى حذائه اللامع ، ولكن خيل اليه انه رغم ذلك فهو لا

يعدو أن يكون بريقا مصطنعا ، لأنه عندما سنحت له الفرصة أن يعتلى الكرسى ، ملأه

الغرور والكبرياء الذى كان يلوم الآخرين عليه ..!!!

*قاص ومفكر

أهم الاخبار