رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الآنا والآخر في حكايات ألف ليلة وليلة

إبداع

الثلاثاء, 31 مايو 2011 17:36
أ‮. ‬د‮. ‬كمال الدين حسين


في واحدة من حكايات ألف ليلة وليلة،‮ ‬التي تعد من أهم الحكايات الشعبية الاجتماعية،‮ ‬التي تحدد علاقات الناس بعضهم ببعض ،‮ ‬وتعرض في إطار أخلاقي،‮ ‬ما يجب أن تكون عليه العلاقة بين الآنا والآخر،‮ ‬وهي حكاية أبي قير وأبي صير،‮ ‬التي اخترتها لمصريتها،‮ ‬تأليفاً‮ ‬وشخوصاً،‮ ‬ففي الحكاية عندما يضيق الحال في مصر علي أبي قير الصباغ،‮ ‬وأبي صير المزين،‮ ‬يرحلان عن طريق البحر إلي بلد مجاور،‮ ‬وهناك يعلمهم أبي قير أصول الصباغة،‮ ‬ويربح الكثير،‮ ‬أما أبي صير فيبني لهم حماماً،‮ ‬يزيد من رفاهيتهم واستمتاعهم بالحياة،‮ ‬فعندما زار ملك المدينة الحمام،‮ ‬قال لأبي صير‮: »‬وحياة رأسي إن مدينتي ما صارت مدينة إلا بهذا الحمام،‮ ‬ثم قال له أنت تأخذ علي كل رأس أي شيء أجرة،‮ ‬قال أبوصير الذي تأمر به،‮ ‬فأمر له بألف دينار،‮ ‬فقال له العفو يا ملك الزمان‮: ‬إن الناس ليسو سواء بل فيهم الغني وفيهم الفقير‮.. ‬فقال الملك وكيف تفعل في الأجرة،‮ ‬فقال أبوصير‮: ‬سآخذ من كل إنسان علي قدر حاله‮.. ‬فقال الملك كلامك صحيح ولكن هذا رجل‮ ‬غريب وإكرامه واجب علينا‮«.‬

وهكذا سن الراوي سنة حميدة،‮ ‬أن الرفاهية حق للجميع دون تميز،‮ ‬بسبب فقر أو‮ ‬غني،‮ ‬أو عنصر دون الآخر،‮ ‬وهذا الإطار الأخلاقي هو الذي لابد من أن يتحكم في العلاقة بين الأنا والآخر،‮ ‬فلا يصح أن يحرم إنسان أو مجتمع لأي سبب كان من الاستفادة من الإنجازات الحضارية،‮ ‬بل هي حق مكفول للجميع‮.‬

المساعدة في درء المخاطر،‮ ‬ثالث أشكال التفاعل مع الآخر‮:‬

وإن كان أبي قير وأبي صير،‮ ‬استفادا من حاجة الآخر لمعرفتهم وخبراتهم،‮ ‬فنقلوها لهم،‮ ‬وربحوا المال الكثير،‮ ‬فهل الكسب والربح المادي فقط هو شرط تبادل المعارف؟

يجيب عن هذا السؤال شكل آخر من الحكايات الشعبية،‮ ‬وهو ما يعرف بحكايات الخوارق،‮ ‬ففي تراثنا الشعبي،‮ ‬وفي حكايات البنين،‮ ‬نجد نماذج تتعاون بجهدها مع الآخر،‮ ‬ليس من أجل المال بل من أجل المروءة،‮ ‬في حكاية أبناء العم الثلاثة،‮ ‬بعد أن يلقي أبناء العم بالشاطر حسن في البئر،‮ ‬ويتركونه وحيدا يبحث في قاع البئر فيجد طريقاً،‮ ‬يسير فيه إلي أن يلتقي بجماعة من الناس تبكي‮.. ‬سأل رجل كبير،‮ ‬قال الرجل‮: ‬إن في مارد كبير،‮ ‬وحش عظيم يهدد المدينة ولازم كل سنة المدينة تقدم له بنت جميلة يأخذها لنفسه،‮ ‬والسنة دي جي الدور علي بنت الملك صاحب القصر ده‮ ‬،عشان كده الناس بتعيط،‮ ‬الشاطر حسن لما سمع الكلام ده قال لهم ما تخافوش أنا بإذن الله حانقذها وأخلص البلد من الوحش ده‮.‬

استخبي الشاطر حسن في مكان ماحدش يقدر يشوفه منه،‮ ‬وفضل مستني لحد ماجه المارد الوحش عشان ياخد بنت الملك وطلع عليه الشاطر حسن وبأيديه سيفه وقال بعزم صوته بسم الله،‮ ‬الله أكبر وراح‮ ‬يضرب المارد ضربة واحدة موتته،‮ ‬البلد شافت المارد انتهي وبنت الملك ربنا نجدها علي ايد الشاطر حسن،‮ ‬فرحت وغنت والملك فرح‮.‬

وهكذا لابد من مساعدة الآخر في درء المخاطر،‮ ‬ونلاحظ هنا أن الراوي يؤكد علي أن الانتصار كان بعون الله،‮ ‬وهو ما يميز الجانب الأخلاقي العقائدي في التفاعل مع الآخر،‮ ‬مما يؤكد علي قداسة العلاقة بالآخر،‮ ‬تلك العلاقة التي نادت بها كل العقائد والأديان‮.‬

نشر المحبة بالكلمة الطيبة والبدء بالسلام،‮ ‬شكل مهم من أشكال التفاعل مع الآخر‮:‬

وكما رأينا في النماذج السابقة،‮ ‬لم يطلب أحد من الآخرين أجراً،‮ ‬أو مثوبة عما قدم لهم من معارف أو خبرة أو جهد،‮ ‬بل كانت المكافأة دوما تأتي من حيث لا يحتسب،‮ ‬بالعكس عندما يكون القصد من شكل التعامل أو التفاعل،‮ ‬مخطط له من اجل حدوث فائدة شخصية قد تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن،‮ ‬كما حدث مع أبوقير،‮ ‬في حكايته،‮ ‬فبعد أن فتح المصبغة وكسب الكثير كما كان مخططاً‮ ‬لنفسه،‮ ‬وسمع أن أبوصير قد فتح الحمام وربح الكثير،‮ ‬ملأه الحسد،‮ ‬ولم يرض لصديقه الخير،‮ ‬فكاد له عند الملك،‮ ‬لكن الملك اكتشف كيده،‮ ‬فأمر بهلاكه،‮ ‬لذلك يؤكد الحكي الشعبي دوما،‮ ‬علي العطاء من اجل العطاء وخير البشرية،‮ ‬أما الجزاء فلابد أن يأتي،‮ ‬تحفيزا لكل من يسعي لفعل الخير مع الآخر،‮ ‬كما تؤكد الحكايات علي ما يمكن أن تفعله الكلمة الطيبة،‮ ‬التي يجب أن تكون أساسا للتفاعل مع الآخر،‮ ‬ففي حكايات البنات،‮ ‬المتعددة الصياغات،‮ ‬نجد البطلة‮ (‬ست الحسن أو لوليا أو فرت الرمان أيا كان اسمها‮) ‬تتعامل مع الناس بالكلمة الطيبة،‮ ‬فتحصل علي اكثر مما توقع،‮ ‬ففي حكاية بدر البدور،‮ ‬تغار زوجة الأب من جمال بدر البدور علي ابنتها،‮ ‬فتكيد لها وترسلها في مهمة لا عودة منها‮: ‬اسمعي يا بدر البدور أنا عايزاكي تروحي لحد شجرة الجمال في الغابة،‮ ‬تجيبي ورقة الجمال لأختك رمانة،‮ ‬بدر البدور عارفة إن الغابة فيها وحوش ماترحمش لكن ماتقدرش تقول لا لأنها بتحب رمانة وتحب زوجة الحطاب‮.. ‬دخلت بدر البدور الغابة واستعانت بالله،‮ ‬لكنها ما كنتش عارفة فين

شجرة الجمال،‮ ‬راحت لشجرة الفل قالت لها‮: ‬السلام عليكم يا شجرة الفل يالي وردك لونه ابيض جميل،‮ ‬وسألتها،‮ ‬قالت لها اسقيني،‮ ‬سقت شجرة الفل،‮ ‬شجرة الفل شكرت بدر البدور وقالت يا رب اجعل لوني في لون وجهها،‮ ‬راحت بدر البدور لشجرة الورد،‮ ‬قالت لها‮: ‬السلام عليكم يا شجرة الورد الجميل وسألتها عن شجرة الجمال‮ ‬،شجرة الورد شكرتها،‮ ‬وقلت لها اسقيني‮.. ‬سقت شجرة الورد،‮ ‬شجرة الورد قالت‮: ‬يا رب لون وردي يجي في خدودك‮.‬

وهكذا كوفئت بدر البدور علي كلمتها الطيبة ومبادرتها بالسلام،‮ ‬وربحت الدعاء المستجاب وازدادت جمالا،‮ ‬وكم أنقذت الكلمة الطيبة،‮ ‬وإلقاء تحية السلام أبطال الحكايات من شرور ومهالك كانت تنتظرهم،‮ ‬وأعتقد أن الجميع قد سمعوا العبارة المشهورة‮: »‬لولا سلامك سبق كلامك لأكلت لحمك قبل عظامك‮«.‬

كيف نتعامل مع الآخر؟

لم يترك الراوي الشعبي هذا السؤال بدون إجابة،‮ ‬وكما حددت الحكايات الأشكال،‮ ‬جاءت الأمثال الشعبية،‮ ‬التي تمثل حكمة الشعب وخلاصة تجربته في أقوال محددة موزونة‮ ‬،‮ ‬لتضع أسس العلاقة بين الآنا والآخر،‮ ‬بوصفه الجار،‮ ‬وكما سبق الإشارة فإن مفهوم الجار هنا يصدق علي أي جار يمكن التعامل معه،‮ ‬فما هي الأسس التي وضعتها الأمثال الشعبية للإجابة عن سؤال مثل كيف نتعامل مع الآخر؟

قبل أن نحدد تلك الأسس لابد من إلقاء نظرة علي منهجنا هنا،‮ ‬في تأويل ما سوف نختاره من أمثال شعبية،‮ ‬ندلل بها علي مقصدنا،‮ ‬ويتلخص هذا المنهج في محاولة إعادة استقراء أو تأويل جمع من الأمثال الشعبية،‮ ‬بمنظور معاصر لتخدم الهدف الذي نسعي للتأكيد عليه،‮ ‬وحجتنا هنا ما للتراث الشعبي من مرونة تجعله صالحا لكل زمان ومكان،‮ ‬وأن هناك اختلافا كبيرا في كثير من مواقف الحياة،‮ ‬مما يحتم إعادة النظر في تفسير وتأويل مقاصد الأمثال الشعبية لاختلاف المضارب التي تضرب بها اليوم،‮ ‬عن تلك التي كانت سببا في إبداع العقلية الشعبية لها،‮ ‬زمن إبداع وتبني الأمثال،‮ ‬لكن هذا لا يعني لي ذراع المثل،‮ ‬أو مخالفة ما جاء من اجله،‮ ‬لكنها إن صح القول،‮ ‬طريقة لإصلاح المسار،‮ ‬أو مواءمة بين الواقع الآني المغاير بالضرورة لواقع إبداع المثل،‮ ‬والاستفادة من حكمة الأسلاف،‮ ‬في إنارة الطريق أمام شباب اليوم،‮ ‬وهذه واحدة من أهم وظائف التراث‮.‬

1‮- ‬الإيمان بالمساواة بين البشر‮:‬

أ‮- »‬إحنا أخوات وربنا خلق وفرق‮«.‬

هكذا يقول المثل الشعبي المصري،‮ ‬فالله سبحانه وتعالي هو خالقنا،‮ ‬وهو الذي وزعنا علي سطح المعمورة،‮ ‬ولا دخل لإنسان في ذلك،‮ ‬فلماذا يحاول الإنسان أن يفرق بينه والآخر،‮ ‬من جانب آخر يمكن فهم التفريق هنا،‮ ‬مختص بالرزق،‮ ‬فعلي ذلك إن كان الرزق من عند الله،‮ ‬فلا داعي لحسد أو حقد،‮ ‬أو كبر بسبب المال‮.. ‬إذن فهناك مساواة لأننا جميعا من صنعة الله،‮ ‬وأي اختلاف في مكان أو زمان أو رزق فهو بإرادة الله‮.‬

ب‮- »‬إيه خيرك عني دا انته ابن عمي‮«.‬

يؤكد ما سبق هذا المثل،‮ ‬فنحن يا اخوة يا أولاد عم،‮ ‬فلا داعي للفرقة،‮ ‬لأننا جميعا سواء‮.‬

2‮- ‬التسامح‮:‬

أ‮- »‬إحنا ولاد النهاردة‮«.‬

بمعني انه لا داعي لأن نعيش في الماضي،‮ ‬ونحاول بدء صفحة جديدة بيننا وبين الآخر،‮ ‬حتي تستمر الحياة،‮ ‬ونعمل بالقول السائر‮ »‬عفا الله عما سلف‮«.‬

ب‮- »‬أهل السماح ملاح‮«.‬

والملاح هم الناس الطيبون ذوو الخلق الحسن،‮ ‬وبالتالي يكون التسامح من شيم الطيبين،‮ ‬ذوي الخلق الحسن‮.‬

3‮- ‬الحرص علي الجار‮:‬

أ‮- »‬جارك وإن جار‮«.‬

وحتي إن جار عليك الجار،‮ ‬فلا داعي للقطيعة وحاول أن تمنحه فرصة فقد يكون ما صدر عنه،‮ ‬نتيجة ظرف‮ ‬غير اعتيادي،‮ ‬لذلك ولأهمية الجار لابد من التدقيق،‮ ‬قبل أخذ القرار‮.‬

ب‮- »‬تعرف فلان؟‮.. ‬قال‮: ‬أعرفه،‮ ‬قال‮: ‬عاشرته؟‮.. ‬قال‮: ‬ماعاشرتوش،‮ ‬قال‮: ‬يبقي ما تعرفوش‮«.‬

هنا يقصد القائل انك لا يصح أن تصدر حكما علي شخص دون معرفة وثيقة،‮ ‬فالمعرفة السطحية أو السريعة،‮ ‬لا يمكن الارتكان إليها في إصدار أحكامنا علي الآخرين‮.‬

ج‮- »‬الشرط عند الحرت،‮ ‬ولا النزاع عند الضم‮«.‬

المعني هنا واضح ويسن شرطا هاما في الحفاظ علي الجار،‮ ‬وهو ضرورة الاتفاق علي كل شيء قبل الشروع في المشاركة مع الجار قبل أي عمل،‮ ‬حتي تكون كل الأمور في النور،‮ ‬وتبعا لما تم الاتفاق عليه،‮ ‬دون الركون لعواطف أو فقدان الثقة،‮ ‬وهناك مثل آخر في هذا السياق،‮ ‬يقول‮ »‬إن كنتم أخوات اتحاسبوا‮«‬

د‮- »‬شرط المرافقة الموافقة‮«.‬

يقصد هنا أن الإنسان عندما يشارك آخر في عمل

أو مشروع أو حتي صداقة،‮ ‬لابد من موافقة الطرفين علي هذه العلاقة،‮ ‬فالعلاقة التي يسعي إليها طرف واحد،‮ ‬يشوبها الخلل،‮ ‬أما العلاقة السوية فهي التي يربطها موافقة الطرفين أولا،‮ ‬واتفاقهما علي كل تفاصيلها‮.‬

هـ‮- »‬صباح الخبر يا جاري،‮ ‬قال‮: ‬أنت في دارك وأنا في داري‮« ‬أو في صياغة أخري‮ »‬صباح الخير يا جاري أنت في حالك وأنا في حالي‮«.‬

المقصود في كل من الصياغتين،‮ ‬أن تكون هناك خصوصيات للجيران،‮ ‬أو لكل من الآنا والآخر لا يصح أبدا أن نتدخل فيها،‮ ‬دون دعوة للمشاركة،‮ ‬ودلالة المثل هنا قد تخالف الشائع في أن المثل يدعو للقطيعة،‮ ‬لكن افتتاحيته،‮ ‬تدعو لاستمرار العلاقة مما يخالف من يدعي أن المثل يدعو للقطيعة‮.‬

و‮- »‬في وشه ولا تغشه‮«.‬

إن الحرص علي الجار يحتم علي الأنا أن يواجه الآخر بكل مايدور في صدره من شكوك،‮ ‬أو ظنون في الجار،‮ ‬ليعرف أولا بأول كل ما‮ ‬غلق علي فهمه من سلوك،‮ ‬ولابد من المصارحة،‮ ‬بدلا من التعامل،‮ ‬بمواربة،‮ ‬أو نفاق،‮ ‬وهذا لا يتفق مع أخلاقيات الثقافة الشعبية،‮ ‬التي تدعو دوما لترابط الجماعة،‮ ‬ومن أهم شروط هذا الترابط المصارحة أو الصراحة في التعامل‮ ‬،‮ ‬وكما يقولون‮ »‬الصراحة راحة‮«.‬

4‮-‬الحرص في التعامل دون إهانة‮:‬

أ‮- »‬حرص من صاحبك ولا تخونه‮«.‬

من المهم أن نحافظ علي علاقتنا بالآخر،‮ ‬دون محاولة لإهانته،‮ ‬أو إحراجه،‮ ‬بمعني أننا نكون علي حذر في التعامل،‮ ‬أن ندقق في كل الأمور،‮ ‬من اجل صالح العلاقة،‮ ‬دون أن نشكك في الصديق أو نتهمه في أمانته،‮ ‬وهذا يصدق علي المثل السباق،‮ ‬إن التعامل المشروط بداية،‮ ‬أفضل من ترك الأمور تسير وفقا للظروف،‮ ‬ثم نندم علي تقصيرنا بعد ذلك،‮ ‬ونتهم الآخر في حين أن التقصير كان من جانب الآنا‮.‬

ب‮- »‬كتر العتاب يفرق الأصحاب‮«.‬

ويرتبط هذا المثل بما سبق،‮ ‬ومعناه،‮ ‬أن نتائج الأعمال‮ ‬غير المخطط لها جيدا تأتي دوما بما لم نكن نتوقعه،‮ ‬الأمر الذي يؤدي إلي عتاب الأصدقاء،‮ ‬وكل يلقي اللوم علي الآخر،‮ ‬وبالتالي،‮ ‬كثرة العتاب أو المعاتبة سوف تؤدي إلي الفرقة،‮ ‬ويتجنب كل منا الآخر،‮ ‬ونخسر صديق،‮ ‬قد يكون من المفيد لنا لو تعاملنا معه كما سبق القول بالحرص أو بوضع الشروط ودراسة العمل المشترك جيدا‮.‬

ج‮- »‬كتر الآسية تقطع عروق المحبة‮«.‬

ويقصد بالآسية هنا القسوة في التعامل،‮ ‬وحتي لوكان العمل يتطلب شروطا وحرصا،‮ ‬فلابد أن يكون هذا في حدود المعقول،‮ ‬والمقدرة،‮ ‬وإلا فسر الأمر علي انه تعجيز،‮ ‬وقسوة،‮ ‬تستوجب الفرقة‮.‬

د‮- »‬إن كان صاحبك عسل ما تلحسوش كله‮«.‬

والمعني هنا يقصد به ألا نثقل علي أصدقائنا ونطالبهم بأكثر مما يقدرون عليه،‮ ‬مثل هذا الموقف،‮ ‬قد يجعل الشك يتسرب إلي الصديق ويظن أن هناك نوعا من الاستغلال لكرمه أو عطائه،‮ ‬أوهناك نوع من الطمع فيما لديه من قدرات أو إمكانات،‮ ‬ولن يرضي بالطبع علي ذلك،‮ ‬وتكون الفرقة‮.‬

4‮-‬الاستقامة في التعامل‮:‬

أ‮- »‬امشي عدل يحتار عدوك فيك‮«.‬

يجمع هذا المثل كثيراً‮ ‬من الحكم السابقة،‮ ‬وبالحث علي الاستقامة،‮ ‬واتباع الأصول،‮ ‬كما جاءت في العديد من الأمثلة السابقة،‮ ‬مؤكد سنحافظ علي الآخر،‮ ‬مما قد يثير أعداءنا،‮ ‬والمتربصون بنا،‮ ‬لعدم وجود أي ثغرة في العلاقة بين الأنا والآخر يمكن أن ينفثوا سمومهم من خلالها في هذه العلاقة‮.‬

5‮- ‬البدء بفعل الخير‮:‬

أ‮- »‬اللي يسيء إليك أحسن إليه،‮ ‬ويكفي العايب عيبه‮«.‬

نحن بشر،‮ ‬معرضون للخطأ،‮ ‬لذلك إن اخطأ أحد ما في شخص فمن الواجب ألا يجاريه في أخطائه،‮ ‬بل يحاول أن يرد الإساءة بالحسني،‮ ‬هذا إن كان حريصا علي العلاقة الطيبة من جهة،‮ ‬أو يحرص علي أن يكون ذي أخلاق كريمة،‮ ‬ولا يعني هذا قبول الإساءة من منطلق الضعف،‮ ‬بل هو كرم الأخلاق،‮ ‬فإما أن يستجيب الآخر إلي الحسني ويدرك أخطاءه،‮ ‬وعندها يصدق عليه المثل القائل‮ »‬إن قابلك عدوك في الخلا خاليه،‮ ‬وإن جالك بيتك أوع تفرط فيه‮«‬،‮ ‬لأنه كان حريصا عليك واعترف بالخطأ،‮ ‬و إلا فعليك ألا تتعامل معه وتعمل بالمثل الذي يقول‮ »‬اعرف صاحبك واتركه‮« ‬إن كان مصدرا دائما للإساءة‮.‬

ب‮- »‬اقطع لسان عدوك بالسلام عليكم‮«.‬

تماما كما في الحكايات الشعبية،‮ ‬يكون لتحية السلام والإسلام،‮ ‬فعل السحر،‮ ‬فمهما كان ما بينك وبين أي آخر من عداء،‮ ‬فيكفي إلقاء السلام عليه،‮ ‬لتجنب شره‮.. ‬وفتح صفحة جديدة معه‮.‬

6‮- ‬احترام معتقدات الآخر‮:‬

أ‮- »‬إن لقيت بلد بتعبد عجل حش برسيم وإدي له‮«.‬

ب‮- ‬وهذا بعيد عن النفاق،‮ ‬أو المداهنة لهم،‮ ‬بالعكس،‮ ‬هو صورة من صور احترام العقيدة،‮ ‬فأنت لست مسئولا عما يعتقد فيه الآخرون،‮ ‬كما انهم ليسوا مسئولين عما تعتقد أنت فيه،‮ ‬وبالتالي لابد أن تسود العلاقة الطيبة بين الأنا والآخر بعيدا عن التميز الديني وازدراء المعتقدات‮.‬

ت‮- »‬اللي في القلب في القلب يا كنيسة‮«.‬

وهو نموذج من الأمثال الشعبية التي يجب أن نعيد النظر في تأويلها،‮ ‬فمن الشائع انه يقال ليدل علي النفاق أو تسيير الأمور،‮ ‬عند التعامل مع من يخالف الآنا في الدين،‮ ‬لكن في قراءته،‮ ‬نجد انه يحث بالفعل علي احترام المعتقدات،‮ ‬فالقلب مكان النية والعقيدة،‮ ‬ولا يعرف النوايا إلا الله سبحانه وتعالي،‮ ‬وبالتالي،‮ ‬لو أردنا العيش في سلام مع من يختلفون معنا في العقائد،‮ ‬فلنترك أمور العقيدة لله،‮ ‬وبالتالي لسنا مسئولين عما في قلب كل منهم،‮ ‬كما انهم ليسوا أيضا مسئولين عما في قلوبنا‮.‬

نخلص مما سبق،‮ ‬إلي أن الحكي الشعبي،‮ ‬والأمثال الشعبية،‮ ‬قد حددت أشكال وقواعد التعامل بين الآنا والآخر،‮ ‬وشروط هذا التعامل أو التفاعل،‮ ‬الذي لو تم تبعا لهذه القواعد والشروط فلابد أن تستقيم العلاقة بين الآنا والآخر،‮ ‬ويعيشا في سلام وتعاون يتحقق منه الخير والرفاهية للجميع،‮ ‬لقد كان هذا قبل أن تنادي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية،‮ ‬بضرورة،‮ ‬سيادة السلام والتسامح،‮ ‬بين الجميع،‮ ‬لكن من يسمع ومن يفعل،‮ ‬بعد‮ ‬غرق الجميع في بحار السلطة والسيطرة والاستغلال،‮ ‬وكأن سفنهم تحركها رياح الفرقة بين الآنا والآخر،‮ ‬أو باسترقاق الآخر،‮ ‬لكن هل سيستمر الحال إلي الأبد وهناك فرقة بين الأنا والآخر،‮ ‬هل سيستمر العداء والتعصب؟‮.. ‬أم لابد أن تأتي لحظة تسود فيها المحبة ويعم السلام؟‮.. ‬ونعود جميعا لما قاله الأسلاف،‮ ‬نتعلم منه ونرسم طريقنا إلي مستقبل تتكامل فيه القوي الإنسانية،‮ ‬لبناء عالم مليء بالخير والرفاهية للإنسان،‮ ‬بصرف النظر عن اللون والدين والعرق والجنس‮.‬

 

 

 

أهم الاخبار