الشعر العامي‮.. ‬الكاريكاتير‮.. ‬الأدب الساخر‮ .. ‬أبرز ملامح أدب ميدان الشهداء‮ ‬

من ميدان التحرير‮.. هنا القاهرة

إبداع

الأربعاء, 16 فبراير 2011 11:59

هنا في‮ ‬ميدان التحرير‮.. ‬لا ورق ولا دور للنشر ولا جرائد تستعد للطباعة‮.. ‬هنا البث حي‮ ‬والنشر علي مسمع الأحرار الذين انضموا للثوار‮. ‬وابداع الثوار وليد هذي‮ ‬اللحظة من تاريخ الوطن‮. ‬هنا تخرج القصية بالمصطلح النقدي‮ ‬مطبوعة بلا تنقيح ولا مقص الرقيب ولا تبديل للحاسة النقدية‮.‬

ابداع ميدان التحرير منوع‮ ‬فهنا القصيدة العامية وهنا قصيدة الفصحي‮ ‬وهنا القصة القصيرة وهنا أيضا الفن الشعبي‮ ‬لرقصات الثوار وزئيرهم الذي‮ ‬يعلو الميدان ليؤكدوا لأنفسهم انهم أحرار جاءوا لتخليص الوطن‮. ‬وبما أن المسرح هو أبو الفنون فدعني‮ ‬عزيزي القارئ أن نشهد المسرحية الواقعية بلارتوش‮. ‬أو كواليس‮. ‬فأبطال العرض اشترطوا إزالة الكواليس ليكون العرض مفتوحا للجميع ومرئيا للكافة من أبناء هذا الوطن‮.‬
الزمان‮: ‬ساعة الشفق وقت‮ ‬غروب الشمس علي أول كوبري‮ ‬قصر النيل‮ ‬
المكان‮: ‬امتداد الكوبري‮ ‬الشاهد علي عظمة الوطن منتقلا من الكوبري‮ ‬الي ساحة ميدان الشهداء التحرير سابقا‮ ‬
الديكور‮: ‬ثلاث مدرعات عسكرية وسيارتان للجيش المصري‮ ‬مكتوب عليهما‮ "‬شرطة عسكرية‮" ‬وحفنة من جنود متعبين‮ ‬يبدو عليهم الفقر وأنيميا الدم واصفرار للعين بفضل كبدهم الذي‮ ‬نهشه فيروس سي‮.‬
المشهد الاول‮:‬
سيدة في‮ ‬العقد السادس من عمرها ترتدي‮ ‬عباءة سوداء تحمل صورة لشاب في‮ ‬نهاية العقد الأول‮. ‬تزغرد السيدة التي تطلق صرختها للفراغ‮ ‬ووراءها جمع من الشباب‮ ‬يهتف‮ "‬زغردي‮ ‬يا أم الشهيد‮". ‬السيدة تأتي‮ ‬من أسفل منتصف الكوبري‮ ‬بينما‮ ‬يقبع المواطنون في‮ ‬انتظار إجراءات التفتيش‮. ‬تمر السيدة وهي‮ ‬كالتي أصابها مس في‮ ‬حالة ما بين اليقظة والموات‮ "‬هذه حالتها‮"‬،‮ ‬تمشي‮ ‬مشدوهة كأنها في‮ ‬زفاف قروي‮ ‬تحمل صورة العريس الذي‮ ‬تزفه لحورية من حوريات الجنة كما وعد الرحمن شهداءه،‮ ‬تتوازي‮ ‬صورة الشهيد مع مشهد الشمس الفارة من البر إلي النهر فترسم ألوانا من الجنون والتيه علي وجه الأم التي تسير بفعل الحراك المتدافع خلفها‮.‬
من‮ ‬يمين المسرح أقصد الكوبري‮ ‬تجري مصورة أجنبية تبدو بملامح شقراء لالتقاط الصورة التي‮ ‬يضفي‮ ‬الفلاش فيها علي وجه الأم لطمة لإعادة الحياة والوعي‮ ‬فيها‮. ‬عبثا هبة الفلاش التي توارت‮.‬
لغط متدافع وأصوات همهمة وحوقلة وصرخة تنطلق من فراغ‮ ‬النهر‮ "‬ياقوي‮ ‬علي الظالم‮ ‬يا رب‮".‬
يغلق الستار‮.‬
المشهد الثاني‮:‬
سلك شائك عند نهاية كوبري‮ ‬قصر النيل‮.. ‬ينده جندي‮ ‬بأعلي صوته‮ "‬كله‮ ‬يطلع بطاجته‮ " ‬قالها هكذا‮.. ‬مواطنون من كافة الأطياف تتزاحم للتفتيش والإنضمام مع الثوار المعزولين عن المحروسة‮. ‬يفحص الضابط البطاقات بعناية ويمرر فرد فرد‮.. ‬سيدات مصريات‮ ‬يقمن بتفتيش النسوة اللاتي‮ ‬ترغبن في‮ ‬الانضمام إلي ميدان الشهداء‮.‬
ابراز البطاقة هو المعلم اللافت‮.. ‬محذور أن تخفي‮ ‬بطاقاتك وأنت تمر بين الجنود‮.. ‬يدخل لواء عسكري‮ ‬يبدو عليه النحول‮. ‬يهتف شاب من الواقفين‮ "‬الجيش والشعب إيد واحدة‮". ‬تثاءب جندي‮ ‬وكأنما‮ ‬يستند إلي الأسد القابع هناك ليغفو قليلا‮.‬
المشهد الثالث‮:‬
مجموعة من الثوار تستقبل الأحرار في‮ ‬صفين متوازيين بأغنية فلكلورية ألفها أحدهم وظلوا‮ ‬يرددونها‮ "‬أهلا أهلا بالأحرار‮... ‬اللي انضموا للثوار‮"... ‬يدخل رجل معاق‮ ‬يحمله شباب الثورة المصرية ويستقبلون العريس الذي‮ ‬انضم اليهم‮.. ‬يهتف الرجل المعاق تحيا مصر فيهتف وراءه الثوار‮ "‬تحيا مصر‮"... ‬جمهور بشتي‮ ‬الألوان والأطياف‮ ‬يصطف عند مدخل الميدان مرحبا بالايراد الجديد‮ "‬بلغة السجن‮" ‬يقدمون التحية‮.. ‬واحد من الجمهور‮ ‬يعلق لافتة‮ "‬نورتنا‮.. ‬محتاجينك معانا‮"... ‬ثائر آخر‮ ‬يحمل لافتة تجمع بين المر والبسمة‮ "‬حرام عليك ارحل انا متجوز من عشرين‮ ‬يوم ومراتي‮ ‬هتخلعني‮"... ‬ثائر آخر تبدو عليه الاصابة جراء لفافة من القطن والشاش علي عينه اليسري‮.. ‬فتاة محجبة تحمل لافتة‮ "‬انت ما بتفهمش عربي‮.. ‬بنقولك ارحل‮"... ‬أخري‮ ‬بلا‮ ‬غطاء للرأس تحمل لافتة‮ "‬امش بقي عايزة استحمي‮".‬
المشهد الرابع‮:‬
الثوار مبذورون كسنابل القمح بأرجاء الميدان تبدو علي وجوههم العزة وملامح لكبرياء قديم ازالته محنة ‮٠٣‬‭ ‬عاما من القهر‮. ‬يبدون خارج حدود البشر‮. ‬بشرتهم الوردية‮. ‬رجل‮ ‬يصلي‮ ‬بزوجته عند جانب من جوانب الميدان‮. ‬وآخر‮ ‬يلتقي‮ ‬بكل الناس ويقبلهم كأنه علي معرفة قديمة بهم‮.. ‬يقولون‮ "‬إن الثوار‮ ‬يألفون بعضهم‮".. ‬علي الجانب الآخر من الميدان افترشت النسوة الحصير وبقايا الكرتون ومقلب للقمامة مكتوب عليه مقر الحزب الوطني‮. ‬أطفال صغار‮ ‬يتناوبون اللعب كأنه ميدان للحرية وبكارة الاطفال‮. ‬تقول طفلة في‮ ‬يمين المشهد‮ "‬تحيا
مصر‮" ‬فترد معها امها وابوها‮: "‬تحيا مصر‮".‬
الأدب الساخر ذخيرة الثوار
يقولون إن شر البلية ما‮ ‬يضحك وتشير أمهات التراث الانساني‮ ‬إلي‮ ‬ان الشخصية المصرية تجمع بين متناقضين الضحك والبكاء ولعلنا نلاحظ أول الموال الشعبي‮ ‬يا عين‮ ‬ياليل فالعين للبكاء والليل للسمر والبهجة والصحبة‮. ‬تجلت الخصيصة هنا‮. ‬لاغرابة أن تجد ثائرا‮ ‬يحمل لافتة تجمع بين المر والبهجة بلغة الإفيه المسرحي‮ ‬مثل‮ "‬عايز أتجوز حرام عليك عندي‮ ٠٣‬‭ ‬سنة‮".. ‬واخري تقول‮: "‬حرام عليك امش بقي‮ ‬ايدي‮ ‬وجعتني‮".. ‬فتصبح الكتابة الأخري من قبيل كتاب‮ "‬عايزة اتجوز‮" ‬محض عبث إلي جوار الكتابة الساخرة التي تعبر عن حال الثوار هنا وتؤكد مطلبهم برحيل مبارك‮.‬
الفن الشعبي‮:‬
الرقصة الشعبية هنا ليست رقصة تنتمي‮ ‬إلي الفلكلور الصعيدي‮ ‬أو البحري‮ ‬أو السويسي‮ ‬أو السكندري‮.. ‬الرقصة الشعبية هنا مزيج من رقصات الوطن بكافة أطيافها هي‮ ‬رقصة الثوار الذين‮ ‬يجمعهم ألم وهم وقضية واحدة‮. ‬يدخل صعيدي‮ ‬بالعصا علي أصوات شاب‮ ‬يغني‮ ‬للفنان النوبي‮ ‬محمد منير ثم‮ ‬يلف مجموعة من الشباب علي هيئة دائرة مثلما‮ ‬يفعل أبناء الدلتا ويبزغ‮ ‬في‮ ‬المشهد فنان سويسي‮ ‬يغني‮ "‬مصر‮ ‬يا بهية‮ ‬يلا شدي‮ ‬حيلك‮.. ‬اللهم اعينك‮.. ‬مصر‮ ‬يا محروسة هاتي‮ ‬الف بوسة‮.. ‬أنا مش جبان أنا مش جبان‮.. ‬أنا واقف أحرس الميدان‮.. ‬الليلة عيد الليلة عيد‮.. ‬مصر بتبدأ من جديد‮.. ‬حيوا اللي حما الميدان‮.. ‬من العميل الجبان‮.. ‬أنا مش جبان مش جبان‮.. ‬أنا واقف أحرس الميدان‮.. ‬ثورة ثورة ثورة‮.. ‬يلا‮ ‬يا حسني‮ ‬بره‮".
يرفع الثوار أيديهم بالتصفيق دون آلات وترية ولا ايقاعية فتضفي‮ ‬علي الرقصة نغمة الهمة والحماس والثورية‮.‬
الكاريكاتير‮:‬
لوحات الكاريكاتير هنا تبدو مفزعة وخيوطها متعرجة أحيانا ومدببة أحيانا‮.. ‬أشهر اللوحات هي‮ ‬لأم تحتضن شهيدها وتبكي‮.. ‬نسخها صاحبها الذي‮ ‬رفض الافصاح عن اسمه مخافة رجال الدرك من تصيد فناني‮ ‬الثورة‮. ‬هنا أيضا‮ ‬يستحضر الثوار لوحات مطبوعة للفنان عمرو عكاشة وصورة كبيرة لحنظلة وهو‮ ‬يقذف بالحجر للفنان الفلسطيني‮ ‬ناجي‮ ‬العلي‮. ‬كما‮ ‬يبرز أيضا الخط العربي‮ ‬تعبيراً‮ ‬عن حالة الكفاح الثوري داخل ميدان الشهداء حيث‮ ‬يتزاحم الثوار علي رجل في‮ ‬العقد الرابع من عمره ويرتدي‮ ‬نظارة طبية‮ ‬يخط لهم اللوحات التي‮ ‬تعبر عن الغضب المصري‮.‬
الشعر العامي‮:‬
أبرز الفنون الادبية اللافتة هنا‮.. ‬علي إذاعة الثورة داخل ميدان الشهداء،‮ ‬يظهر شاعر ريفي‮ ‬ويتغني‮ ‬بقصيدة أمام حشد من الثوار ليلهب حماستهم‮. ‬مع اشتراط توقيت ما بين ‮٥‬‭ ‬الي ‮٧‬‭ ‬دقائق فقط للاستماع للأصوات الأخري،‮ ‬يليه شاعر عامي‮ ‬من الجنوب‮ ‬يحاول تقليد الخال الأبنودي‮ ‬وقت ثورته ونضاله قبل أن‮ ‬يستأنسه النظام ويكون الخال البرجوازي‮ ‬صاحب البدلة المودرن والذي‮ ‬يشبه إلي حد كبير سكان مدينة نصر‮. ‬يعقبه شاعر آخر وآخر بعد ان‮ ‬يقدمه مقدم حفلة السمر‮.‬
القصة القصيرة‮:‬
القصة القصيرة للثوار داخل ميدان الشهداء تنتمي‮ ‬لفن الاقصوصة‮.. ‬كاتبة تلجأ إلي ورق الحائط فتكتب قصتها في‮ ‬سطور لا تزيد علي الخمسة أسطر‮.. ‬وأحيانا تدخل كاتبتها لترويها علي الثوار من خلال الاذاعة التي أسموها إذاعة الثورة‮... ‬وتحضرني‮ ‬قصة لكاتبة استمعت إليها وأنا أجاورها علي الرصيف كانت تحكي‮ ‬عن حيرتها في‮ ‬اختيار الحبيب والثورة‮.. ‬وكانت بلغة موسيقية كانت أقرب إلي القصة القصيدة بحسب كتابات الكاتب محمد المخزنجي‮.. ‬وقد اختارت بطلة القصة طريق الثورة عن الحب واختتمتها بجملة واحدة‮ "‬ليس فارقا معي‮ ‬ان تعايرني‮ ‬اني‮ ‬نمت علي الرصيف‮".‬
متسحبا ومتنقلا بين الجموع ما بين ناعس ومتيقظ أطفال ورجال ونساء‮.. ‬نمر علي واحد‮ ‬يجالس مجموعة من الثوار وهو‮ ‬يعزف بالناي‮ ‬لحن موسيقي فيلم البريء‮.. ‬وواحد آخر‮ ‬يقرع بأصابعه علي الدف أغنية‮ ‬يا بيوت السويس‮ ‬يا بيوت مدينتي‮.. ‬أستشهد أنا وتعيشي‮ ‬انت‮".. ‬أناس متلحفون ببطاطين فقيرة باهتة وآخر‮ ‬يصطحب طفلة وواحد بغمس‮ ‬يده في‮ ‬صحن الفول ليسد رمق الصقيع‮.. ‬هنا ابتكر الثوار من الفوم لافتات ترشدك إلي الوحدة الطبية التي‮ ‬يداوي‮ ‬فيها المجروحون من فلذات كبد الوطن‮.. ‬يتجمع ثوار حول شيخ أزهري‮ ‬معمم في‮ ‬العقد الثالث من عمره‮ ‬ينتقد لهم أساليب الوهابية ودعوتهم الفاشلة بعدم الخروج عن الحاكم وغمسهم للسم في‮ ‬العسل‮.. ‬يتسحب الليل كابيا لكنه مشرق بوجوه الثورة وأبنائها الذين اشعلوا النيران للتدفئة‮.‬

أهم الاخبار