مملكة الخواء

إبداع

السبت, 05 نوفمبر 2011 10:55
قصة كتبتها- نانسي درويش:

أظنّ أن هذا هو الشعور الذي اعترى سيدنا آدم عليه السلام حين وطأ بقدميه الشريفتين الأرض لأول مرة.

ترى أكانت بمثل هذا الخواء

أنقبض قلبه وارتعش مثلما ينتفض قلبى الآن ؟
لا أظنّ ذلك...
فلم يكن بالأرض شيء ضار أو نافع على السواء على ما أعتقد
فقد كانت خالية من أي شيء و كل شيء
على عكس هذا البلد تماما،
لا ينقصه شيء سوى البشر
به إشارات مرور دون أن تمرّ عليها أي سيارة
به محال متراصة على الجانبين عارضة كل ما لذّ وطاب على كل شاكلة ولون ولكن دون مشترين
الورود نديّة وكأنّها رويت للتو دون يد الساقي
جميع الطرق مُنارة ولكن دون مارّة
كانت كمملكة بهيّة آية في الجمال غار قومها من جمالها فهجروها مليًّا فبسط الخواء سطوته عليها فسكن أركانها وعشش في شقوق جدرانها.
تماما مثل صور ملكتهم التي تزيّن كل جدار وكأنها لوحة فنية لمخلوقة رائعة الحسن..لكن سلبت منها روحها فبقيت الصورة شاهدة على حسن قد كان.
لم أخف هكذا طوال عمري المديد
يبدو أن الأماكن المهجورة من البشر أكثر وحشة من الأماكن التي لم يقطنها بشر قط
فلا نخاف عادة من مرأى الصحراء المبسوطة
ولكن دومًا ما نرتعب من البيوت المهجورة
فكل ما نشمّ فيه رائحة حياة دون أن نشعر بنبضها يفزعنا
أكاد أشتمّ رائحة التفاح التي ابتاعته تلك المرأة
وعطر هذا الرجل وهو ذاهب لعمله
أكاد أرى العلامات الغائرة لعصا تلك العجوز، وهي تتكئ عليها حتّى تصل لهذه الدكّة في انتظار الأتوبيس
ولكن أين تلك المرأة ؟
وهذا الرجل ؟
وتلك العجوز ؟
"يالا يا ماليكا اركبي بسرعة"
أفقت على صوت صديقتي وهي تركب سيارة أجرة
“Star Inn Hotel Pls”
لم أتمالك نفسى فسألت السائق بلهفة
"أهناك أناس يعيشون في هذا البلد أم أنّك الوحيد المتبقي منهم ؟."
ابتسم الرجل ابتسامة مَن اعتاد هذا السؤال السخيف من سائحي هذا البلد
"نعم سيدتي لا تقلقي ولكننا نؤثر المكوث فى بيوتنا بعد الساعة السادسة مساءً استعدادًا ليوم عمل شاق في الغد."
"الحمد لله"
تنفست الصعداء وارتكنت على باب السيارة حامدة ربي شاكرة إياه أن رحمني من مشاهدة بداية الخلق من جديد
لاعنة الساعة التي قررت فيها هجر بلادي لتلك المملكة الخاوية  .

أهم الاخبار