رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نجيب محفوظ : من عبثية الواقع إلى عبثية الوجود

إبداع

الاثنين, 10 يناير 2011 15:01
بقلم : أ.د/ حسن حماد

نجيب محفوظ

لا يمكن بسهولة أن أصف نجيب محفوظ بالكاتب العبثي، وأيضاً يصعب أن أصف أدبه بهذه الصفة، وباستثناء قصته القصيرة "تحت المظلة" (كتبها فى الفترة من أكتوبر وديسمبر ١٩٦٧)، التى أظن أن محفوظ كتبها تحت تأثير الفن العبثي، يبدو لى إنه من الصعب وصف بقية أعماله بهذه الصفة. فكتابات محفوظ المتنوعة سواء فى الرواية أو القصة القصيرة تتصدى لمعالجة هموم وقضايا ذات طابع إنسانى وميتافيزيقى مثل: الموت، المجهول، القدرية، الخوف، العجز، انعدام المعني، العزلة، الاغتراب، اليأس، الخواء، اللاجدوى .. وغيرها من القضايا الوجودية ، ومثلها بالتأكيد العبث. ولكنها مع ذلك تختلف عن أعمال "فرانتس كافكا"، و"صموئيل بيكيت" ، و"أوجين يونسكو" وغيرهم من كتاب العبث.

فالكاتب العبثى كما يوضح "مارتن إيسلن" يتخلى عن النقاش حول عبثية الوضع البشري، ويحاول أن يظهره ويجسده فقط فى الوجود من خلال أدواته الإبداعية والفنية. بعبارة أخرى فإن الفن العبثى لا بد أن يتجلى من خلال اللغة والحدث والمضمون والشخصيات، فالكاتب العبثى الحقيقى لا يسعى من وراء أدبه إلى أهداف أو غايات أخرى تتجاوز الوعى التعسى بعبثية الحياة.

أما نجيب محفوظ، فإنه يعالج موضوع العبث فى رواياته على طريقة "سارتر" و"كامو"، فهو يعترف فى الكثير من أعماله بأن الحياة عبث، ولا معنى لها، لكنه يرفض الاستسلام لإغراء الاستمرار فى الإيمان بهذا العبث، ويحاول أن يجد مخرجاً أو خلاصاً من هذه المحنة ، محنة معاناة الوجود الخالى من المعنى والقيمة والهدف.

ويستطيع القارئ لأدب محفوظ أن يستشف سهولة العديد من المواقف الدرامية التى تؤكد عبثية الحياة وعدم جدواها، وعقم التجربة البشرية ، فالحس التراجيدى يكاد يسيطر على معظم أعماله القصصية والروائية ونادراً ما ينجو أبطاله وشخوصه من المصير المهلك المدمر لكل آمالهم وطموحاتهم وأهدافهم. ويبدو أن محفوظ الذى استوعب الواقع المصرى الحديث بصورة جيدة وعميقة قد أدرك بحس وبصيرة الفنان مدى هشاشة الأمل وذبول المعنى فى ظل القهر السياسى وغياب الحرية وهيمنة شكل أحادى للسلطة فى العهود الملكية والناصرية وامتدادتها، والذى كان من أبرز نتائجه غياب الوعى السياسى لدى الجماهير، ،انحسار التفكير العقلانى والإبداعي، وسيطرة التفكير الدينى الأصولى التكفيرى الذى يلبى حاجات ونداءات الجموع المقهورة اليائسة.

لقد أدرك محفوظ ببصيرة الفيلسوف الفنان أن الواقع أقوى من تمرد "سعيد مهران" على كلاب الحراسة ، وأن ثورة "عمر الحمزاوى" التى تستند إلى رعشة الحلم ، لم تستطع أن تفعل شيئاً مع أسنان الواقع المدببة ، وحتى الاشتراكية العلمية التى ظل "عثمان خليل" بدافع عنها حتى آخر لحظة فى حياته لم تستطع هى الأخرى أن تغير شيئاً فى واقع شديد التخلف. وكذلك فإن رحلة "صابر" للبحث عن الأب الغائب "سيد سيد الرحيمى" الذى كان يأمل أن يمنحه الحرية والكرامة والسلام لم تكن إلا رحلة فى قلب الظلام والتيه !

إن نجيب محفوظ يحاول أن يؤكد فى أعماله أن الواقع لا يتغير بالأحلام أو بالأفكار، كما توهم "جعفر الراوى" فى "قلب الليل" لقد كان هدف "جعفر" أن يؤلف مذهباً جديداً يجمع بين المادية والروحية، ولكن مذهب جعفر انتهى به إلى الجريمة والضياع لأنه كما قال له صاحبه "سعد كبير".

"أنت تتوهم أنك صاحب مذهب ميتافيزيقى اجتماعى سياسي، إن أى مذهب خليق بأن يستغرق عمراً فى تكوينه، ولكن القارئ يطلع على المذاهب كلها فى عام أو عامين، وقد يتراءى له أن يقوم بعملية انتخاب من المذاهب يظنها تفكيراً وهى ليست إلا عملية انتخاب للجمع بين متناقضات يستطيعها أى مخلوق، ويمكن بهذه الطريقة أن يكون لدينا مذاهب بعدد غير الأميين فى العالم!".

إن تمرد الفرد ليس سوى صرخة احتجاج ضد واقع زائف وقاس وعبثي، هذه الصرخة التى غالباً ما تبدأ برفض الواقع السياسى السائد، والتمرد على ثقافة القهر والقمع والمنع والتحريم والتكفير غالباً ما تتحول عند محفوظ من الاحتجاج على واقع سياسى واجتماعى وثقافى محدد إلى الاحتجاج بمعناه الكونى الوجودي، فتتحول أسئلة الواقع حول الظلم وغياب العدالة ، والقهر وغياب الحرية ، والفوضى وغياب النظام، والخوف وغياب الأمن والسلام .. هذه الأسئلة وغيرها تتحول إلى أسئلة كونية ، أو ما يمكن أن نسمية بأسئلة الوجود الكبري، لماذا وجد الإنسان ؟ ، ولماذا يتعذب ؟ ، ولماذا يمرض ويعانى ويحزن ؟ ويتألم ويتعذب لموت آماله وفراق محبيه وانتحار أمانيه؟ ولماذا يموت بطريقة رخيصة أو مجانية ؟ ولماذا يحيا محروماً من السعادة والمعنى واليقين ؟ ولماذا تعذبه الأسئلة ولا يجد إجابة؟ ترى هل هذا سر الوجود ؟ وإذا كان هذا هو سر الوجود : أن يبقى الإنسان أسيراً لهذه السخرة الوجودية، ويظل دوماً داخل التيه . فما الذى يبرر الوجود؟

وما الذى يمنح الحياة معناها ولونها وطعمها ؟ وهل يمكن لنا أن نصل إلى اليقين أى يقين ؟ وإذا كانت الحياة تمتلئ بهذا الشعور من الظلم والقسوة فأين نجد السعادة؟

إن روايات محفوظ تمتلئ بالعديد من هذه الأسئلة التى تطعن فى مشروعية الواقع السياسى وتطعن فى مشروعية دراما الوجود ذاتها. وبالطبع ليس مطلوباً من المبدع أن يقدم إجابات محددة أو حلول مبتكرة لأزمة الوجود. ومع ذلك فإن محفوظ أحياناً يشفق على قارئه من رعب هذه الأسئلة ومن وطأة العبث، لذلك فأحياناً ما يجود علينا ببعض الإجابات الضمنية أو غير المباشرة التى تشير إلى أن الإنسان برغم كل معاناته كائن عظيم وإن التراجيديا الإنسانية لا تخلو من بصيص من أمل برغم كل شيء، وبرغم ضبابية الحقيقة وظلمة الطريق.

إن محفوظ هو واحد من المتشائمين العظام فى القرن العشرين، وهذا التشاؤم لا يعنى اليأس، ولا يعنى الهروب من مواجهة الواقع، ولكنه يمثل رؤية شديدة الواقعية لواقع فاسد يجب فضحه وتعريته وكشف ما انطوى عليه من زيف وخداع وخلل. فالتشاؤم فى بعض الحالات قد يكون أكثر شرفاً وقيمة من التفاؤل الساذج أو الزائف الذى لا يتأسس على فهم حقيقى وعميق للواقع.

إن تشاؤم محفوظ هو نوع من الاحتجاج الأليم على واقع قد أصابه الوهن والعفن ونخر السوس عظامه وكيانه، وتحول إلى واقع رخو متهتك، اعتلى فيه مشعوذوه منبر الحق وصاروا حملة الحقيقة المطلقة ، وأصبح جلادوه وحدهم كهنة وحراس هيكل الحرية المنهار!

على أية حال فإن سؤال العبث يلح إلحاحاً شديداً وبطريقة واضحة فى أعمال محفوظ، فلا يكاد يخلو سطر أو فقرة داخل هذه الأعمال من مناوشة أو مناقشة لقضية الإنسان المهموم بالبحث عن المعنى. وكما سبق وأوضحت فى الفقرات السابقة فإن هذه الأعمال لا تنتمى بصورة دقيقة إلى أدب العبث، ولكنها ربما تكون أقرب إلى الروايات الفلسفية أو الذهنية أو الوجودية أيا ما كانت الأسماء، فإن هذه الروايات الثلاث تلتقى جميعاً حول هدف واحد هو البحث عن معنى الوجود الإنساني، والبحث عن المعنى هو الوجه الآخر للعبث، فاستنزاف الذات فى البحث عن المعنى هو تجسيد لحياة تفتقر للمعنى.

ولا شك فى أن انعدام المعنى يؤدى إلى تعثر التواصل الإنساني، فيصبح الحوار قلقاً ومضطرباً، ومتلعثماً ومجزوءاً ، وتأخذ الأشياء دلالات حميمة ، إذ تصبح هى ملجأ الإنسان وملاذه الأخير، وهنا تتزايد ألفة المكان ويغترب معنى الزمان ويصبح الليل منيراً والنهار ليلاً سلبياً، ولهذا ليس مستغرباً أن تصبح المقبرة هى مأوى "سعيد مهران" فى "اللص والكلاب" . وتكون الصحراء هى واحة "عمر الحمزاوى" فى "الشحاذ" ، والنهر سمير "أنيس ذكى" فى "ثرثرة فوق النيل" . والإنسان فى التصاقه بالأشياء يعلن انفصاله عن البشر، فهو يموت مجتمعياً قبل أن يموت جسدياً وروحياً.

وحيث يولد العبث "يختفى من رواية محفوظ الجديدة عالم الأسرة الحميم واستقرار البيت القديم ودفء علاقات الزقاق ... ينتهى ذلك الوصف الدقيق لأشياء وزوايا ومنعطفات الحى القديم الواضح فى اسمه وتاريخه، وتنفتح الرواية على مكان قلق مائع، لا يدخله الإنسان إلا ليخرج منه. لكأن محفوظ، وبمعنى ما ، انتقل من تأمل جمال المشخص إلى تأمل جمال المجرد، ومن تأمل جمال التاريخ إلى تأمل جمال الإنسان، ومن تأمل كثافة الزمن المتعاقب إلى رصد كثافة اللحظة القاتلة".

ويمثل الموقف العبثى فى روايات محفوظ جزءاً من موقف وجودى أكثر اتساعاً وشمولاً هو موقف البطل المغترب، وربما يكون من الصواب أن نقول إن تجربة العبث تنطوى تحت تجربة أكبر هى تجربة الاغتراب، خاصة فى معناه الوجودى الذى يعنى إحساس الإنسان بأنه قد وجد فى عالم ليس عالمه، وإنه بلا جذور، وبلا روابط حقيقية تصل ما بين ذاته والعالم والآخرين. وكى يعبر محفوظ عن هذا "الاغتراب العبثى" - إن جاز لى أن أسميه بهذا الاسم - يلجأ إلى بعض التقنيات الفنية مثل : "المناجاة" أو "المونولوج" ، "والحلم" ، و"تداخل الأزمنة". ويعبر فيصل دراج عن هذا المعنى بقوله : "المونولوج لغة الذات المتوحدة ، التى

منع عنها وضعها كل تواصل حقيقي، فجعلت من ذاتها مرسلاً ومستقبلاً للكلام فى آن، أى ضاعفت إنقسامها من جديد إلى ذات وموضوع. يحتل المونولوج مكاناً واسعاً فى رواية الاغتراب عند محفوظ ولا تكون هذه الرواية ، كما تريد أن تكون، إلا به ، فلا وجود لمغترب بدون وجود لغة تناجى ذاتها والعالم. تملأ المناجاة "اللص والكلاب" ، وتطفو واضحة فى "الشحاذ" وتصل فى "ثرثرة فوق النيل" إلى حدود الهذيان . يمتزج الحلم باللغة ليخلق لغة حالمة ، أى ليخلق صوراً طليقة لا وجود لها فى هذا العالم. لا يتعامل الحلم مع اللغة ، لا "يتحدثها" لأنه لا يستطيع أن يقدم الكلمات والأفكار إلا خلال الصور، وللحلم منطقه ، يهرب من النظام ويتدثر بالفوضي، ويكشف فى هروبه الفوضوى عن عجزه عن قبول عالمه. يحمل الحلم "أنيس ذكى" إلى التاريخ البعيد هرباً من التاريخ الراهن.

يعيش المغترب عالمه ويعيش عالماً آخر، وينسج روايته من صدام العالمين. وتكون الرواية فى مستوياتها المختلفة كلها صورة لوضع المغترب المزدوج ، الذى يسير جسده فى عالم ، ويبحث عن جوهره المفقود فى عالم آخر".

وفى عالم المغترب العبثى "لا يحقق الزمان فى دورته أشواق الإنسان بل يكشف عن تحققها المستحيل، يخلق الزمن الحلم ليبدده ... التاريخ لا غاية له والموت حقيقته الوحيدة وهذا ما يجعل من الديالكتيك السلبى عنصراً رئيسياً فى رؤية محفوظ، فلا تنمو الأشياء إلا لتنهدم ، ولا تعلو إلا لتسقط، فالعطب يسكن الوجود، والتغير قانون، والموت حقيقة وحيدة".

إن شخصيات محفوظ شخصيات قلقة مغتربة يعتصرها الشك ويؤرقها الحلم ويعذبها الأمل وتطاردها الأسئلة المزعجة المربكة .. أسئلة المعنى والحقيقة . وهى برغم ضعفها ووحدتها واهتزاز موقفها، إلا أن حلم الخلاص لا يفارقها، وهى تمضى فى طريقها غير عابئة بالنتائج أو المصير المأساوى الذى سوف يلاقيها. هكذا كان الحال مع سعيد مهران، وعيسى الدباغ، وصابر الرحيمي، وعمر الحمزاوي، وأنيس زكي، وجعفر الراوي، إنهم جميعاً مخلوقات ضائعة تفتش عن عالم مفقود وغير موجود، ولكن للأسف فإن المفقود لا يعود ، والضائع لا يعثر على ذاته أبداً !

إن هؤلاء وغيرهم من أبطال نجيب محفوظ يعلمون تماماً أن الوجود عبث، وأن اللعبة خاسرة ، وأن الطريق مسدود، ومع ذلك فهم يرفضون الاستسلام أو التراجع أو الإذعان لعالم ساقط وبلا قيمة "تردُ هذه الشخصيات على عبث الوجود بعبث ينكر كل وجود ويعتبر ذاته الهاربة الوجود الأصيل الوحيد. فأمام عالم يسحق الذاتية كاملة يصبح الدفاع المطلق عن الذاتية فعلاً مقاوماً".

يتوسل البطل العبثى طريقاً للخلاص، ويستجدى شيئاً من المعنى فلا يجد إلا ذاته يلوذ ويفوز بها بوصفها الصخرة الأخيرة التى تنعقد عليها آماله المجهضة وأحلامه الضائعة ، غير أن حلم الخلاص لا يتحقق إلا من خلال التواصل مع الآخر سواء كان هذا الآخر هو المرأة التى أحبها فى تجربة العشق، أو المتلقى أو المتذوق الذى يبحث عنه المبدع فى عملية الإبداع، أو الجماهير التى تتبنى حلم التغيير فى الممارسة الثورية ، أو الله الذى إليه تتضرع القلوب فى التجربة الصوفية.

إن أزمة الخلاص فى أدب محفوظ هى أزمة غياب الآخر فى كافة أشكال حضوره وتجليه. ولا ريب فى أن احتجاب الآخر واختفاءه يخلق عالماً منزوع الإنسانية ، ويجعل من أبطال محفوظ ضحايا للخلل بشقيه السياسى والكوني، كما يجعلهم ضحايا لنرجسياتهم العمياء وأنانيتهم المفرطة التى تجعلهم ينتقلون من زمن السقوط والضياع إلى زمن الاغتراب والعبث، وفى النهاية لا يبقى لهم من عذاب الرحلة سوى الموت أو السجن أو المجهول أو الجنون.

فسعيد مهران ينهى مصيره بالموت بعد أن يتورط فى قتل الأبرياء بدلاً من أن يقتص من الأوغاد والخونة ، والرصاصات الطائشة التى أخطأت هدفها جعلته يؤمن بأن وجوده عبث، وأنه لا معنى لحياته إلا إذا مات موتاً له معني، أو كما يناجى نفسه قائلاً : "مأساتي الحقيقية أننى رغم تأييد الملايين أجدنى ملقى فى وحدة مظلمة بلا نصير، ضياع غير معقول ولن تزيل رصاصة عنه عدم معقوليته ولكنها ستكون احتجاجاً دامياً على أى حال، كى يطمئن الأحياء والأموات ولا يفقدوا آخر أمل" ... "فالرصاصة التى تقتل رؤوف علوان تقتل فى الوقت نفسه العبث. والدنيا بلا أخلاق ككون بلا جاذبية . ولست أطمع فى أكثر من أن أموت موتاً له معنى".

أما رحلة عيسى الدباغ من القاهرة إلى الإسكندرية فتنتهى بالسقوط فى أحضان امرأة ساقطة لا يجنى من ثمرة علاقته بها سوى طفلة برئية يحاول عبئاً أن يجدها ولكن بلا جدوى.

ويبدأ صابر طريقه بالخروج من حضن الأم الساقطة ليسقط فى مصيدة العشيقة الماجنة ، وليصل فى النهاية إلى جدران السجن القاحلة. وفى طريق مواز لطريق صابر يخوض عمر الحمزاوى مغامرة البحث عن الحقيقة فيهرب من سأم الحياة الزوجية إلى خواء المغامرات الجنسية لينتهى به المطاف إلى حالة أقرب إلى الجنون منها إلى التصوف.

أما جعفر الراوى فلا يكسب من عناء حياته المضيعة إلا الاستسلام للجنون، وها هو يهتف فى نهاية الرواية : "لتمتلئ الحياة بالجنون المقدس حتى النفس الأخير".

أما أنيس زكى ولى أمر عوامة المساطيل، فيدرك بعد أن يفيق من سحر الغياب ومن غيبوبة الكيف مدى سخف المغامرة الإنسانية، وأن أصل المأساة يكمن فى وعى الإنسان المفاجئ بذاته ورغبته فى ممارسة الحرية ، حرية الاختيار، تلك الحرية التى أدت لطرد آدم من الجنة. فالحرية مخاطرة، والوعى نقمه، والأمل محنة ، والطريق إلى المعنى لم يزل طويلاً وبعيداً ؟

"أصل المتاعب مهارة قرد !

تعلم كيف يسير على قدمين فحرر يديه

وهبط من جنة القرود فوق الأشجار إلى أرض الغابة

وقالوا له عُد إلى الأشجار وإلا أطبقت عليك الوحوش.

فقبض على غصن شجرة بيد وعلى حجر بيد وتقدم فى حذر

وهو يمد بصره إلى طريق لا نهاية له".


*عميد كلية الأداب جامعة الزقازيق واستاذ الفلسفة

 

 

 

 

أهم الاخبار