في الميدان

كوميديا سوداء

أمير سالم

الخميس, 19 مايو 2011 20:48
بقلم: أمير سالم

 

مساء السبت وأثناء إذاعة نشرة الأنباء بقناة النيل للأخبار، وقعت مفارقة مدهشة وسافرة وأقرب إلي الكوميديا السوداء، كان شريط الأخبار يتحرك ببطء من يسار الشاشة حاملاً تحذيراً شديد اللهجة من المجلس العسكري، بالضرب بيد من حديد ضد مثيري الفتنة والفئات الضالة، بينما كانت النشرة تبشر بنصر أمني علي بؤرة بلطجة بالصعيد، وبينما كان الشريط ذاته يشير إلي بدء حظر التجول، كانت الأحداث المنقولة أعلي الشريط تنسف تماماً ما جاء فيه من أنباء وتكذبها وتجعلها بلا أي تأثير.

نقلت كاميرا النيل الإخبارية أحداث فوضي عارمة وموقعة جمل جديدة ضد متظاهري ماسبيرو بطول كورنيش النيل الممتد بين وزارة الخارجية والتليفزيون، يقودها من وراء ستار الثورة المضادة.

كان المشهد شديد الإيلام، لأن الثورة المضادة صارت تمتلك زمام المبادرة بدعم من قوي داخلية وإقليمية ودولية، بينما تحركت ثورة شعبية إلي الدفاع وبسرعة إلي الخلف.

الأحداث التي وقعت في نفس توقيت معركة إمبابة الأسبوع الماضي تكشف بلا ريب أن الثورة المضادة يرتب لها جيداً وتعرف ما تريد، تحدد أهدافاً تحصدها بإتقان، بينما يقف الجيش والشرطة المتراجعة والمنهارة في موقف رد الفعل، وصد الهجوم والتعامل مع تداعياته.

كارثية المشهد تبدو واضحة للعيان، وهي أن »الجمعة« كان يوم الدفاع عن الثورة وحمايتها وإن اختلفت

المسميات منذ انطلقت، الآن أصبح »السبت« يوماً لثورة مضادة تعمل بجسارة وترد سريعاً علي »الثورة« وشغل الجميع بعراك سيكون الفائز فيه خاسراً بأي حال.

المؤسف أن الشرطة رغم جهودها البائسة لاتزال منزوعة الحماس، ولم تتجاوز مرحلة لملمة الجراح وما قامت به لا يتعدي الجري في المكان.

عبثية المشهد لا تعفي الجيش من المساهمة في دفع الروح المعنوية للثورة المضادة إلي قمتها، فبينما يحاكم آحاد البلطجية أمام المحاكم العسكرية بأحكام مشددة، تجد موقفه مختلفاً ومثيراً للدهشة أمام جيش منظم للثورة المضادة.

نقدر للجيش حرصه علي عدم التورط في إراقة الدماء ولكن ما لا يمكن السكوت عليه وترك رؤوس الفتنة، من رموز جهاز أمن الدولة المنحل وفلول الوطني، بدعم من قوي عربية وإقليمية، تمرح وتعبث بأمن مصر وازهاق روح ثورتها، اعتماداً علي ثورة مضادة وصلت إلي قمة عنفوانها.

آن للجيش أن يستخدم ما لديه من أوراق كان قريباً من اللجوء إليها قبل تنحي الرئيس المخلوع، ولن يجد حرجاً ولا معارضة إذا أراد إعلان الأحكام العرفية، وتقديم المتورطين في تنفيذ مخططات الثورة المضادة

للمحاكمات العسكرية.

إن انتظار عودة الأمن لدوره سينتهي بلا طائل، ولن تعود الشرطة كما كانت ويكفي أن منصور عيسوي وزير الداخلية لم يبد اهتماماً بأي مبادرات قدمت إليه لإعادة الأمن إلي الشارع فلا هو قبل بتعيين جنود الحرس الجمهوري، والشرطة العسكرية والضباط الاحتياط السابقين، ولا التفت إلي تعيين خريجي التعليم العالي بجهاز الشرطة لسد عجز يقارب 4000 ما بين رتبة وفرد بجهاز الأمن.. ولايزال الشارع مسرحاً للعبث.

لابد من التحرك وبشكل عاجل من الجيش لوأد أية محاولات جديدة لضرب الثورة، وترويع المواطنين وإشاعة فوضي خيرنا الرئيس السابق يوماً بينها وبين الاستقرار الذي يمثله بقاؤه في الحكم.

إن جهاز الشرطة في اختبار صعب هو الأعنف منذ 30 عاماً، لأنه مطالب بممارسة مهامه ودوره الرئيسي وهو تأمين الوطن، وليس تأمين نظام انهار ولم يعد له سوي فلول عابثية.

بالمقابل يجب أن يتحرك الجيش حامي الثورة وعمودها الفقري، وعليه أن تستعيد أدبيات ثوريته، أيام نجح في تنحية الملك فاروق عن عرش مصر، وقام بعد أيام من حركة الجيش ولم تكن قد وصلت إلي ثورة بعد، بإظهار العين الحمراء، ولم يتوان عن إعدام اثنين تورطا في تمرد بأحد مصانع النسيج بالدلتا.. وقتها التزم الجميع الصمت ومضي الجيش بهدوء تحوطه الجماهير وتبارك ثورته.

نحن الآن نحتاج إلي إجراء مماثل ضد فلول تتطاول عليه، وعلي بقايا دولة تحاول النهوض.. الأحداث السابقة منذ تنحي »مبارك« جعلت صورة الجيش الذهنية مشتتة في نظر شعب هتف يوماً بأنه »والجيش إيد واحدة«، لأن هذه اليد صارت مرتعشة، ومعها يتأرجح مستقبل وطن بكامله لايزال يراه الملاذ والأمل المرتجي.