رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

جرح وليس ورماً

أشرف عزب

الأربعاء, 11 فبراير 2015 19:35
‎أشرف عزب


‎فجأة وبلا مقدمات ظهر طفل صغير, ضئيل الحجم, يفتح عيناً ليري بها طريقة والأخري مغلقة من حرارة الشمس وشدتها, يحمل علي كتفه أكياساً من الحلوي خفيفة الوزن كبيرة الحجم, تغطي رأسه وشعره, تساند إحدي يديه كتفه في حمل أكياس الحلوي والأخري ممسكة مع فمه «صفارة»

ليُسمع بها الناس نداءه لأنه يعلم جيداً أن صوته الضعيف لن يسمعه أحد, وأن صرخاته لن تكون أعلي من ضجيج الناس في الشوارع وأن السيارات التي يسير بينها ليستطيع أن يكون حياً لن ترحمه أو تسمعه أو تتعاطف معه لأنه من أطفال الشوارع!!, المهم أن الطفل فاجأني وسألني  «حلاوة يا عمو؟».. انتبهت لكلامه ثم تلونت  الاشارة باللون الأخضر  واشتريت كيس الحلوي واشتريت فوقه مرارة الحياة التي تجعل طفلاً لم يتجاوز عمره الخمس سنوات  يعمل ليأكل, وظهرت أمامي صور أطفال الشوارع التي يشير بعض الخبراء إلي بلوغ عددهم المليون, هذا الرقم الضخم بضخامة المشكلة يزداد يوما بعد الآخر, رأيت صور الأطفال وهي تتناثر أمامي  في الطريق, بنت جميلة هنا لا ذنب لها سوي أن تري صورة مستقبلها في صورة أمها, وولد هناك يسابق السيارات ليفوز بجنيه أو جزء من طعام أو شربة عصير في يد قائد السيارة, وولد آخر يجلس علي الرصيف

ويحتمي بالورق من برودة الأيام ويمسك برغيف خبز عثر عليه بعد مشقة من تلال القمامة التي تملأ الشوارع،‬ البيت هو الشارع, العمل والتسول والبلطجة في الشارع, الملبس والمأكل والمشرب في الشارع, جحود الناس وعطفهم أيضاً في الشارع, هؤلاء الأطفال جرح في هذا المجتمع لابد أن نعالجه ونجد له الدواء, جرح ليس لهم ولا لنا أي ذنب فيه  سوي أننا نعيش في هذا المجتمع ونتعامل مع مسئولين لا يقدمون حلاً ولا يؤخرون, جرح لابد أن يُشفي وأن يتوافر العلاج السليم بعد التشخيص الصحيح له عند الحكومة أولاً  والمجالس المتخصصة ثانياً‫، تلك المجالس ‬ التي تتخصص في رعاية الأطفال ويدخل في نطاق عملها واهتماماتها كل ما يتعلق بالطفل, ولا تسألني كيف يتوفر هذا الدواء وسط ما تمر به مصر من العنف والقتل والتربص والتصيد والإرهاب والتسريبات والارتباك, ولكني سأقول لك بمنتهي البساطة إذا سألتني هذا السؤال إن البحث عن الحل مسئولية ووظيفة الحكومة ورجالها ومجالسها لأنها في النهاية تلك مسئوليتهم التي قبلوا بها, وهذا عملهم الذي وافقوا عليه علي اعتبار أن
الكراسي في مصر تكليف وليس تشريفاً, هذه القنبلة جرح يتوغل فينا وينتشر بسرعة كبيرة جداً وتزداد خطورة ساعة بعد أخري, ولحظة بعد أخري, هؤلاء الأطفال الصغار تحديداً لابد أن نساعدهم وبسرعة حتي نستطيع أن ننقذ أنفسنا من عنف الكبار فيهم وخطورتهم أولاً ونحميهم من أنفسهم ثانياً, وأنبه أن الاحياء برجالها في كل محافظة, وكل قسم شرطة في أي مكان وكل مكان في مصر والجهات المختلفة بالتعاون والتنسيق مع بعضها البعض - وأعلم أن العمل الجماعي في مصر صعب - ويقومون برصد وبيان كل طفل في كل شارع ونجدته من مصير الكبار فيهم, قبل أن تتحول براءة الأطفال إلي وحش يقتل ويسرق وينهب  ويخطف الأطفال ‫-‬  حتي الُرضع منهم ‫-‬ ويحرق قلب الأمهات  ليكون هؤلاء البذرة التي تنمو من جديد في الشارع ويكونوا لهم سنداً ويكونوا أمثالهم  ونجد الطفل مبتور الأيدي، ونري وجوه الأطفال المعذبة والمشردة هنا وهناك ‬ليصنعوا سيمفونية من الألم والحزن مع كل طلعة يوم وإشراق يوم جديد, هذا الجرح في هذا الوطن يمكن علاجه وليس ورماً صعب الشفاء منه, الورم الحقيقي موجود في طريقة التعامل مع هذا الملف وفي عقل المسئولين عنه جميعاً, وأعرف جيداً أن كل مسئول في هذا البلد لن يسمع نداء وسؤال هذا الطفل الذي فاجأني وقال بصفارته «حلاوة يا عمو»؟ ولذلك أعيد عليهم السؤال وأبلغهم لعلي أجد من يسمع وينقذ هؤلاء، ولا نسمع نحن نداء طفل يبيع حلاوة أو مناديل  في الشارع، وبدوري أسأل وأنادي وأتسول من المسئولين عن هذا الملف تحديداً وفوق كتفي الكلمات  «حد يقرأ يا بهوات»؟            

[email protected]

ا