رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

فى ديوان المظالم

جمال: هل ذنبى أنى ولدت معاقاً.. أنا مصرى؟!

أسرة

الأربعاء, 18 يوليو 2012 14:24
جمال: هل ذنبى أنى ولدت معاقاً.. أنا مصرى؟!المعاقون يقفون أمام قصر الرئاسة في انتظار تحقيق مطالبهم
ترصدها- دعاء البادى تصوير- محمد كمال

أصعب ما فى معاناتهم هو أنه لا مجال لنسيانها، فالجسد يذكرهم كلما أرادوا النسيان.

الثانية ظهراً.. الحر شديد .. تجمعوا تحت ظل الأشجار؛ يتبادلون حديثاً، كل منهم يجزم سراً أنه لا فائدة.
يصمتون فى وقت واحد كما لو كان الأمر أشبه بإتفاق، فيختلسون نظرات إلى المبنى القائم خلفهم ثم يثبت كل منهم نظره تجاه إعاقته.
جميعهم فقدوا شيئاً من جسدهم.. منهم من بترت ساقه أو يده وآخرون فقدوا أعينهم، ومنهم من يعانى شلل الأطفال، تختلف الاعاقة وتظل المأساة واحدة.
بين اليأس والأمل يجلسون أمام «ديوان المظالم» بقصر عابدين، مهددين بالتصعيد والدخول فى اعتصام أمام القصر لحين تنفيذ الدكتور محمد مرسى رئيس الجمهورية مطالبهم.
لو منحت فرصة رؤية وجهه فقط دون جسده لحسبته من هؤلاء القلة الذين منحوا نعمة السعادة.. إلا أنه لا فرصة تأتى كاملة.
< على كرسى متحرك يبدو عليه القدم يجلس ياسر على محمود الذى تشهد سنواته الأربع والاربعون على معاناة المولد، فالطفولة ثم الشباب.
معاناة المرض تعتبر ترفاً فى حالة «ياسر» فهو وزوجته وطفلاه مهددون بالطرد من الشقة بسبب عدم قدرته على دفع الايجار، يقول:«ولاد الحلال أقنعوا صاحب الشقة أن يؤجل الطرد حتى بعد عيد الفطر».
يظل متمسكاً بابتسامته وهو يسرد حكايته لى، وكأنه يحكى مأساة شخص آخر: «كنت أحصل على معاش شهرى بعد وفاة والدى الذى كان يعمل كهربائياً بإحدى الشركات التابعة للقوات المسلحة، لكنه توقف فى شهر فبراير الماضى».
ويبرر الرجل توقف صرف المعاش الذى لا يتعدى الـ500جنيه بعد قيامه بفتح محل مع بعض اصدقائه لصيانة الاجهزة الكهربائية قبل اثنى عشر عاما، ويضيف:«أغلقنا المحل بعد شهر من افتتاحه لسوء دراسة الجدوى فاكتشفنا اننا سنخسر كثيراً».
بعد كل تلك السنوات فوجئ «ياسر» بمطالبة هيئة التأمينات والمعاشات له بدفع 14ألف جنيه كتأمين باعتباره صاحب محل.
ولا مجال مع موظفى الحكومة لإقناعهم بمصير المحل، وبعد شكاوى وطلبات تم تخفيف المبلغ إلى 7 آلاف جنيه.
وبالنسبة لمشكلة طرده من الشقة فلا سبيل للتفكير فى إمكانية تدبير المبلغ: «اشترطوا علي لكى يعاودوا صرف المعاش لى ان اسدد التأمينات».
ويتساءل «ياسر»: «لماذا تركونى كل تلك السنوات حتى تراكمت على التأمينات، هل اكتشفوا فجأة بعد 12عاماً أنى كنت صاحب محل؟».
حلم النجومية الضائع
< أبداً لا يمكن تخيل أن ذلك الرجل الذى يرسم مع زملائه فى العمل البسمة على وجوه جمهور يدفع ثمن ساعات الضحك والترفيه، لديه من المعاناة ما يجعل نفس الجمهور يبكى علي مأساته بدون ثمن.
قبل عشرين عاماً كان طموح مجدى يحيى حسن يأخذه إلى أبعد مدى، يحلق به نحو النجومية والشهرة، فهو يملك صوتا شجيا كما يؤكد المحيطون به، وعمله ككومبارس فى برنامج الكاميرا الخفية خلق لطموحه اتساعا أكثر.
وبالفعل أخذ «مجدى» بتأكيد المحيطين به وأصدر ألبوماً غنائياً يضم عدداً من الاغانى الشعبية:«الألبوم نجح، وكنت على بعد خطوات من النجومية التى ظللت أحلم بها».
وفى إحدى الحفلات بأحد الفنادق الكبرى، تشاجر مع أشخاص كانوا يحضرون الحفل، وتربصوا له بعد ذلك ليجد نفسه بعد اشتباك عنيف يعانى من بتر الذراع اليمين.
عمل «مجدى» بعد الحادث معلقاً اذاعياً بالسيرك القومى، نظير راتب 330 جنيها، ولأنه ليس له مسكن دائم وانتهى به الامر للعيش بحجرة فوق احد العقارات بمنطقة مصر القديمة، طلبت زوجته الطلاق ونفذ طلبها.
توفيت ابنته الوحيدة وهى طفلة ويحمل «مجدى» الفقر الذى صنعه النظام السابق مسئولية فقد ابنته الوحيدة.
ويرى أنه كان طبيعيا أن يشارك فى الثورة عند اندلاعها فهو ينتقم ممن افقدوه ذراعه وبتروا حلمه فى الغناء ويثأر لابنته وحياته التى دمرها الفقر.
أصيب «مجدى» فى عينه بسبب القنابل المسيلة للدموع لكنه يؤكد أن مستشفى قصر العينى رفض استلامه أو كتابة تقرير طبى لذا لم يستطع الحصول على تعويض ضمن مصابى الثورة.. هو لا يريد من الرئيس أكثر من مسكن يكفه عن التنقل بين حجرات المناطق العشوائية.
ابتسامة تحتاج وظيفة
< ابتسامته الهادئة تشغلك عن أمر ذراعه اليسري المبتورة، حديثه كابتسامته هادئ يخلو من حماسة من هم فى مثل عمره.
مصطفى عيد عبد المختار تخرج فى كلية الحقوق جامعة القاهرة قبل ثمانية أعوام، إلا أن الواسطة والفساد أثنياه عن الالتحاق بوظيفة طبقا لنسبة الـ 5%من قانون متحدى الاعاقة بحسب تأكيده:
«ذهبت لجميع الوزرات وقدمت اوراقى بها لكنهم رفضوا توظيفى وعينوا من هم أقل منى فى التقدير».
«مصطفى» متزوج ولديه طفلان، ويعيشون بمسكن والده؛ لكونه لم يستطع الحصول على شقة.
لم يجد الشاب المعاق سوى العمل بمكتب صغير للمحاماة بأجر تردد قليلاً قبل اخبارى بقيمته :«لن تصدقى فأنا احصل على 250جنيهاً فقط أى انفق على اسرة كاملة بهذا المبلغ»، ويكمل «وأحيانا صاحب المكتب لا يعطينى هذا المبلغ».. «مصطفى» لا يطلب شيئا محددا، فقط يطالب بتطبيق قانون متحدى الاعاقة الذى يتضمن توفير المأكل والملبس والمسكن والعمل لهم.
إعاقة ووحدة وتشرد
< الإعاقة والوحدة والتشرد تطارده.. جمال محمد السيد الذى يبدأ عقده الخامس، أتى من طنطا بالغربية ليتظلم من مشكلته.. «جمال» الذى يعانى من شلل أطفال بالساق اليمنى، لم يتزوج لضيق ذات اليد، لم يشعر بأهمية ذلك لكنه مع بدايات العجز تبدأ

الحسرة.. يعيش على المعاش الذى تركه له والده فلم يجد وظيفه طوال سنواته السابقة.. التنقل بين مساكن الاخوة والاصدقاء والجيران أصبح روتيناً فى حياته فلا مسكن يؤوى «جمال».. محاولات عديدة لمقابلة محافظ الغربية قام بها الرجل وشكاوى كثيرة قدمها ليحصل على وحدة سكنية، لكن دون فائدة.. يقول في حسرة: «لا أعرف هل ذنبى أنى ولدت معاقا أم مصريا لأعانى بهذا الشكل» بهذا يختتم حديثه.. أسنانه المتساقطة وبياض عينيه التى شابها الجحوظ ، يمنحانه عمرا أكبر من الواقع فهو لم يتجاوز الثانية والخمسين عاماً لكنه يبدو كالمشرف على ثمانينيات عمره.
الدولة استكثرت عليه 120جنيهاً
< «الدولة المصرية تركت الفساد واللصوص ينهبون البلد واستكثرت على 120جنيها.. بتلك الجملة بادرنى القول محمد بكير عامر الذى يعانى من فقدان البصر بالعين اليسرى، يؤكد أن عينه اليمنى فى طريقها أيضاً للفقدان فنسبة الرؤية بها 3%فقط.. أنا «أرزقى» هكذا وصف عمله، ويكمل:«كنت احصل على 120 جنيها كمساعدة مرضى من وزارة الشئون الاجتماعية، ومنذ شهرين استلمت جوابا يعلمنى أننى سأحصل على معاش شهرى».. وعلى ذلك تم وقف الـ120جنيها استعدادا لصرف المعاش، إلا أن المعاش لم يأت والحديث لـ«محمد».
عندما سأل المعاق عن سر وقف المساعدة وعدم صرف المعاش، اكتشف أن عليه دفع تأمينات قبل الصرف.. «محمد» لديه خمسة أبناء ويعيشون جميعا بمسكن ضيق غير آدمى كما يصف بمنطقة بطن البقرة بحى مصر القديمة بالقاهرة..زوجته فاقدة البصر تعمل عاملة نظافة بإحدي مدارس المعاقين، وتحصل على مبلغ زهيد أيضاً لا يكفيهم الحاجة.
لا خير فى بلد ينكر معاقيه
< قال جملته ثم بدأ فى سرد معاناته.
شلل رعاش وتآكل فى فقرات العمود الفقرى يعانيها على على عبد الصمد ذو الثلاثين عاماً.. كان «على» يعمل بإحدى شركات الأدوية لكنه تركها بعد مشاجرة مع زميل له، ليبقى عاطلاً بعد محاولات جاهدة للبحث عن وظيفة أخرى.. حجرات بحمام مشترك بمنطقة شبر الخيمة، هي ما يعيش فيها «على» وزوجته وطفله مع والدته وإخواته السبعة.
محاولة ممزوجة باليأس
< أتى عبد الحكيم على توفيق الذى  يعانى من شلل رعاش باليد والساق، إلى ديوان المظالم قبل أيام ليقدم مطلبه فى الحصول على مسكن، لكنه اكتشف انه لم يكتب رقم هاتفه فى الاوراق المطلوبة، فعاد ليقدم طلباً آخر، فلا سبيل سوى المحاولة حتى ولو امتزجت باليأس.. يعيش «عبد الحكيم» فى حجرة سفلية «بدروم» بعد أن انفصل عن زوجته التى لم تستطع مشاركته طريق المعاناة.
«معاشك خلص»
< لم يفهم أحمد عبد الرازق مصطلح «معاشك خلص» عندما قالتها له الموظفة بمكتب المعاشات.. «أحمد» الذى يعانى تقوصاً فى القدمين وحولاً بالعينين، كان يحصل على معاش عن والده الذى كان يعمل بشركة كهرباء كفر الدوار بالبحيرة.
توقف صرف المعاش البالغ قدره 300جنيه قبل ستة أعوام، ويزداد تعقيد الأمر مع رفض شركة كهرباء كفر الدوار تعيين «أحمد» ضمن أبناء العاملين.. «أحمد» عامل نظافة باحد مكاتب المحاماة بأجر زهيد يؤدى إلى شجار يومى مع زوجته التى لا تستطيع تدبير النفقات بذلك الاجر.. أشد ما يؤلم «أحمد» النظر إلى طفليه، وتخيل مصيرهما مع مصير والدهما الفقير.
جميعهم أكدوا أنهم لن يتنازلوا عن حقوقهم التى سلبت منهم طوال السنوات السابقة سيعتصمون امام قصر عابدين، مهددين بتصعيد آخر لم يكشفوا عنه فى حال عدم استجابة الدكتور محمد مرسى لمطالبهم المشروعة فلا حق يعلو فوق الحق فى الحياة.

أهم الاخبار