قبل أن تُغيروا

أسامة هيكل

الأربعاء, 02 مارس 2011 09:03
بقلم: أسامة هيكل

طبيعي جداً أن تصاحب الفوضي كل ثورة.. وكلما طالت الفترة الانتقالية التي تفصل ما قبل الثورة عما بعدها زادت الفوضي.. وكلما زادت الفوضي وجد الانتهازيون الفرصة للقفز والاستفادة.. ولو تمكن الانتهازيون، نستطيع وقتها أن نقول فشلت الثورة.

هذه الثورة العظيمة كشفت أن مصر لم تكن تحكم قدر ما كانت تنهب.. وكنا كلما تساءلنا عن أسس ومعايير اختيار القيادات لم نجد رداً سوي أن هذا مقرب من الرئيس أو زوجته أو ابنه.. ولهذا كان الناس لا يشعرون بالرضا عن الأداء العام، بينما كان الرئيس وأسرته يشعرون بتمام الرضا عنهم.. وكنا لا نعرف سبباً لرحيل مسئول أو استبداله بغيره، لأن الأسباب كانت بعيدة عن المصلحة العامة.

وحتي تنجح الثورة لابد أن ننتبه جيداً جداً لأسلوب اختيار القيادات في مختلف مؤسسات الدولة.. فالكفاءة والنزاهة شرطان أساسيان ينبغي توفرهما في أي مسئول بأي منصب.. ولكنني الآن أري علي أبواب مؤسسات هامة مجموعات من الانتهازيين الذين لم تظهر لهم

أي كفاءة إلا في تجريح الآخرين في زمن يصعب فيه الحساب.. وهؤلاء يرتدون ملابس الثوار، ويتحدثون بلغة الإصلاح، ويطالبون باستبدال القيادات القديمة بهم.. ولو حدث هذا سنكون قد تحولنا من سيئ لأسوأ، وستكون الثورة قد فشلت، وستكون دماء شهدائها قد أهدرت.

المطلوب الآن التدقيق في كل شخص يتولي منصباً قيادياً.. وحتي يتحقق ذلك، لابد من منهج علمي.. فالمؤسسات الإعلامية المملوكة للدولة مثلاً يجب أن تغير أهدافها أولاً.. فالواجب أنها تقدم خدمة إعلامية للشعب في مناخ تنافسي مفتوح مع أجهزة إعلامية أخري، ويكون تأثيرها علي قدر نجاحها في المنافسة.. فلا مانع أن تنتقد الحاكم إذا أخطأ، ولا مانع أن تكشف فساد وزير أو مسئول.. فلو كان الهدف واضحاً ومحدداً، يمكن هنا تحديد مواصفات القيادة المطلوبة لتحقيق هذه المهمة، ويتم انتقاء الأصلح ممن تنطبق عليهم

المواصفات للقيام بهذه المهمة.

والمؤسسات الاقتصادية يجب أن تدار بأسلوب علمي سليم، وعلي قدر نجاحها في التوسع وتحقيق أرباح، وتستمر القيادات، وإذا أخفقت فلابد من تغييرها.

الهدف ليس تغيير قيادة بقيادة أخري تسير علي نفس النهج الذي كان سائداً خلال 30 عاماً مضت، وإلا سيكون المستقبل فاشلاً.. ولكن المطلوب حالياً هو تغيير الأفكار وطرق الاختيار.. فليس مطلوباً أن أجامل شخصاً بمنصب لأنه قدم خدمة لمؤسسة ما في الدولة أو مقرب من جهاز أمني.. وليس مطلوباً أن أستجيب لشخص بتعيينه في منصب لأنه صاحب صوت عالٍ ومثير للشوشرة.. المطلوب أن يتولي القيادة من يقدر عليها، ومن هو أهل لها، ومن يقدر علي الإصلاح.. وهذه مهمة صعبة، فأصحاب الصوت العالي كثر.. والمنافقون أكثر.. والانتهازيون أكثر وأكثر.. أما الكفاءات فهي قليلة، وأصحاب القيم نادرون، والمحترمون لا يزالون يمتنعون.

أقول هذا الكلام لأنني أستشعر أن مداولات تجري لتغيير قيادات في بعض المواقع، وإحلالها بقيادات أخري من باب إقناع الناس أن تغييراً طرأ.. ولكنني مع كامل الاحترام لمن يقومون بهذه المداولات، لا أعتبر هذا تغييراً، ولا أظنه سيؤدي للإصلاح الذي نتمناه.. ولو حدث التغيير بهذا الأسلوب القديم، فستكون الثورة قد فشلت وسيكون »الشجعان« قد قاموا بالثورة، وجني ثمارها الانتهازيون.

[email protected]