رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

دور المسنين.. حكايات الجحود والحرمان

أخبار وتقارير

الخميس, 23 أكتوبر 2014 17:08
دور المسنين.. حكايات الجحود والحرمان
تقرير – أسماء محمود وندى نبيل:

عم سلطان: بيصعب عليا إنى معييش أجيب أى حاجة نفسى فيها

مرات ابني طردتنى علشان " بشخر" وأنا نايمة

عم محمد: ولادى لو جونى بيبقوا عايزين فلوس
مسن: ولادى عمل غير صالح بس نفسى " أحضنهم وأبوسهم"
الحاجة سلوى: "تبنيتها وسرقتني وهربت للدار وخوفت لتقتلنى"

"وبالوالدين إحسانا".. هكذا قال الله تعالى فى قرآنه الكريم، أوصى الأبناء ببر آبائهم، وقال أيضا "ولا تقل لهما أف أو تنهرهما" ولكن حكايات جحود الأبناء مليئة بالعبر التى يشيب لها الوليد في بطن أمه، ومن يتوغل فى أعماقها، فنجد نماذج الجحود الكثير، وكأن الأبناء اعتبروا أنفسهم خلقوا كباراً، ولم تتحملهم أمهاتهم فى صغرهم، ولم يستند عليها كى يقف، وكأن أبا لم ينفق على تربيته أو تعليمه، فيعمى الحقد والطمع أبصارهم لتكون جزاء الإحسان.. دار مسنين لإيوائهم !
القصص والعبر كثيرة جدا والألم الذي يعتصر قلوب الآباء كبير جدا أيضا.
وفى رصد لبعض هذه النماذج قامت "بوابة الوفد" بجولة لها في إحدى دور المسنين بالجيزة للتعرف على أحوال بعض القاطنين بدار المسنين، للتعرف على قصصهم، ومن الذى اصطحبهم إليها، وكيف يعيشون فيها.

مرات ابني طردتنى علشان " بشخر" وأنا نايمة

حيث روت "الحاجة نادية"، قصة دخولها إلى الدار منذ 4 سنوات، فهى أم لـ4 فتيات وابن، زوجتهم جميعا من كدها وتعبها، وبعد معاناتها لضيق ذات اليد، وعاشت مع نجلها فى شقته، ولم تستطع أن تشترى لها غرفة نوم كالعادة، واكتفت بشراء "كنبة بلدى" للنوم عليها.
وأردفت نادية، قائلة أعانى منذ 4 سنوات من جلطة فى نصف جسدى الأيسر، الأمر الذى يعوق الجلوس أو النوم على ظهري بصورة طبيعية، خاصة وإذا كان السطح الذى تخلد إليه ذو ارتفاع قصير، مما جعلنى أعانى من آلام الظهر.
وأضافت نادية أنها كانت تمكث مع أحفادها فى ذات الغرفة، ونظرا لنومها على "الكنبة" فى وضع مؤلم، انعكس ذلك على جيوبها الأنفية، وباتت "تشخر" وهى تغط فى نومها، إلى أن طالبتها زوجة ابنها ذات يوم بالرحيل من المنزل، دون شفقة أو رحمة منها، بحجة " الولاد مش عارفين يناموا من صوتك" فضلا عن ارتفاع تكاليف المعيشة، ومنذ ذلك الحين وهى تمكث بالدار، بينما السؤال.. كيف سمح فلذة كبدها بذلك؟ وبأى قلب وافق على تنفيذ هذا القرار؟!.
فى حين أكدت نادية أن لها ابنة مطلقة 39 عاما، رفضت أن تجلسها معها لأنها لن تكن قادرة على خدمتها والاعتناء بها، وعلى النقيض فإن لها ابنة هى التى ترعاها دوما، وتتكفل بعلاجها كاملا والذى يقدر بـ270 جنيها، وتعطيها 100 جنيه لشراء ما يلزمها، بينما هى من تدفع اشتراك الدار والذى يبلغ 400 جنيه، ويتبقى لها 100 جنيه من المعاش.
عم محمد : ولادى لو جونى بيبقوا عايزين فلوس
وعلى صعيد آخر قص "عم محمد"، صاحب الـ75 عاما، رواية مجيئه إلى الدار منذ 5 سنوات، إذ كان يعانى من أمراض عدة، ونصحه الأطباء بالراحة التامة، فآثر اللجوء إلى دار مسنين بدلا من الجلوس بصحبة أبنائه، خاصة بعد وفاة زوجته، وعدم قدرته على الزواج من أخرى قائلا "مينفعش أظلم واحدة معايا.. أنا 75 سنة".
وأكد عم محمد، أنه هو الذى اتخذ

قرار مجيئه بكامل إرادته، لأنه على علم تام بأن لا أحد من أبنائه سيستطيع تحمل خدمته، والاهتمام به وإعطائه الرعاية التى طالبه بها الأطباء.
ويشكو عم محمد من عدم زيارة أبنائه له، فكلما أراد رؤيتهم يذهب هو إليهم، بينما يأتون هم لزيارته على فترات متباعدة، ولا يتركون له أموالا بل إنهم يطلبون منه الأموال قائلا "ولادى لو جولى هما اللى بيبقوا عايزين منى فلوس".
ولفت عم محمد إلى أنه سعيد بوجوده فى دار المسنين، وأن التعامل معهم جيد، بينما كل ما يتمناه هو رحلة إلى الإسكندرية لأنه قضى غالبية سنواته بها، فضلا عن الدعاء بالرزق برحلة عمره أو بحج، ولكنه لا يمتلك الأموال لها.

مسن: ولادى عمل غير صالح بس نفسي " أحنضهم وأبوسهم"
لم يطرق باب دار المسنين إلا منذ شهر فقط، بينما راودته الفكرة منذ ما يقارب العام، نظرا للظروف العائلية الصعبة التى عاشها، فتكمن مشكلة "الحاج مصطفى" فى القوانين التى سمحت للنساء بأن "تدوس" على الرجال وهجرهم وتركهم دون مسائلة أو محاسبة، إذ أنه فوجئ بأن زوجته أخذت أبناءه ورحلت!
ولخص الحاج مصطفى روايته فى أنه كان متزوجا من امرأة، يعيش إخوتها معه فى شقة واحدة، وعندما تذمر من أفعالهم غير الأخلاقية داخل الشقة، طالبته بالرحيل، ولكنها ستمكث فى بيتها بصحبتهم، قائلة له "اطلع أنت بره أنا مش هسيب إخواتى ومش عايزين منك حاجة"، وبعد أن ترك المنزل، دون أن توجه له أى حديث أو ترسل بالوسطاء للإصلاح، قرر تطليقها.
وأردف الحاج مصطفى، أنه كان ماكثا لفترة بصحبة أخيه، ولكن بعد وفاته لم يتحمل الجلوس بمفرده قائلا "كنت بكلم نفسى"، فآثر اللجوء إلى دار المسنين من أجل التحدث إلى أشخاص، وأن ينسى ماضيه المؤلم، والذى أشد ما عاناه فيه كسوط يجلده، جحود أبنائه، فالأول يبلغ 15 عاما والثانى 17 عاما، ولكنه لا يعلم أين يمكثون.
وعبر الحاج مصطفى عن جحود أولاده والذى خاب أمله بهم، ببالغ الأسى قائلا "أولادى عمل غير صالح"، رأيي أنهم لا يستحقون أن يبحث عنهم، ولكنهم إن بحثوا عنه لن يردهم، قائلا "على الأقل يعرفوا حقيقة اللى حصل بدل م أمهم تقولهم عنى كلام وحش" و" نفسى أبوسهم وأحضنهم وأديهم فلوس".
تبنيتها وسرقتنى وهربت للدار حتى لا تقتلنى
أما حكاية الحاجة "سلوى"، فهى من نوع خاص، فهى سيدة مسنة، كانت تعمل معلمة فى إحدى المدارس، وتزوجت زميل لها فى المدرسة، وأنجب طفلا لا أخ أو أخت له، ولكن الأب كان قاسي القلب على نجله، إلى أن أصيب فلذة كبدها الوحيد بالمرض الخبيث "السرطان"، وفارق الحياة وهو فى الـ17 من عمره، بعد أن كان قد التحق بكلية الهندسة فى عامه الأول.
قالت الحاجة سلوى إنه عقب وفاة ولدها تعرف زوجها على تلميذة لديه فى المدرسة، وتزوج منها عرفيا، إلى أن جاء واعترف لها بهذه الزيجة وأعلمها أنه سيتزوجها رسميا، مطلقا لها العنان، فإذا ودت البقاء فلتبقى وإن رحلت فكيفما تشاء.
وأردفت سلوى أنها آثرت أن تعيش حياتها باكية على فلذة كبدها وحيدة، حتى ضاع بصرها من حرقة البكاء على رحيله، فاستأجرت شقة تحيا بها بمالها الخاص دون أن تأخذ أى نفقة من طليقها، وقررت تبنى طفلة تؤازرها وتملأ عليها حياتها الجديدة، التى لم يكن فيها سوى البنت وشقيقة سلوى الكبرى.
وتابعت سلوى أنها اعتنت بابنتها الجديدة، حتى كبرت وأتمت تعليمها، وزوجتها أيضا بالرغم من عدم رضائها عن الزوج ومستواه الاجتماعى والأخلاقى، مكثت بصحبتهما 3 سنوات، لم تر خلالهم الشارع، قالت سلوى "كانوا يخرجون ويتركونى وحيدة"، ومن ثم باتت تسرق معاش من ربتها لأجل زوجها، بل وتبتز أختها لدفع الأموال للإنفاق عليها، مشيرة إلى أنها بدأت تستشعر الخوف فى منزلهما، فانتظرت حتى خرجوا ذات مرة وهربت المنزل تاركة خلفها كل شيء، خائفة من أن يعرفوا مكانها ويأتوا ليردوها إليهم مرة أخرى ويبتزوا شقيقتها ثانية، بل إنها خائفة من زوج "ابنتها" أن يقتلها!
وأكدت سلوى أنها سعيدة بوجودها فى دار المسنين، وأنها تحيا حياة هادئة مريحة، قائلة "إحنا هنا متهنين خالص"، معربة أن كل أملها أن تشفى فقط قائلة "نفسى أخف بس".
عم سلطان: بيصعب عليا إنى معييش أجيب أى حاجة نفسى فيها
بينما عم سلطان طلب منذ البداية أن يخبرنا بقصته بعيدا عن الأنظار لأنه على وعى تام بأنه سيفقد أعصابه وستسيل دموعه رغما عنه من كثرة وجعه.
فقال عم سلطان إنه يمكث فى دار المسنين منذ 7 سنوات، ولكن على نفقة الدولة وليست على نفقته الخاصة كباقى النزلاء، إذ أنه ليس له معاش يصرف منه على نفسه أو يشترى به ما يحلو له.
وأضاف عم سلطان، أنه يبلغ من العمر 63 عاما، لم يتزوج ولم ينجب، أفنى حياته من أجل تزويج شقيقتيه، فهو الأخ الأكبر و عليه تحمل المسئولية، بل امتدت مسئوليته لتزويج أبناء أخوته بعد أن توفى زوجهما فى حادثة، فصار هو مسئولاً عنهم جميعا قائلا " الخال والد".
وأشار عم سلطان إلى أنه غير نادم على تحمل مسئولية إخوته وأبنائهم، قائلا "أنا زعلان على نفسى أنا عشان ضحيت بكل حاجة، ومعنديش حتى معاش، وقاعد على نفقة الدولة بحاجة اسمها قانون الـ5%"، لافتا إلى أن شقيقته الكبيرة توفاها الله، والأخرى طريحة الفراش، بينما تركوه يعانى جحود أبنائهم، إلا من واحدة توده وتسأل عنه، ولكن نفسه تأبى أن يكون ثقيلا على أحد.
ولفت عم سلطان، إلى أن سبب مجيئه إلى الدار، أنه كان يعيش مع أخته الكبرى فى عقار تملكه، وحين أراد ابنها أن يتزوج طالبها أن يتزوج بالشقة التى يمكث فيها كل من والدته وخاله "عم سلطان"، وعندما سألته كيف وأين تذهب قال لها بقسوة غير معهودة "معرفش اتصرفى".
ولأن "عم سلطان" كما وصف ذاته "حساس" لدرجة كبيرة، ترك العقار لهم، قائلا "لما هو عمل فى أمه كده طب هيعمل إيه فى خاله"، ومنذ ذلك الحين وهو يمكث فى الدار، لا أحد يوده من أبناء أخواته، قائلا والدموع تسيل من بين جفونه "هما مش ولادى.. ولادهم وحشين شوية، كل اللى بيصعب عليا إنى معييش أجيب أى حاجة نفسى فيها، والحكومة مبتراعيش حد، مع إنى كان بيصعب عليا أوى حد فيهم يبقى نفسه فى حاجة ومش أجيبهاله".

ولفت عم سلطان إلى أن الحكومة لن تعطيه معاشا قبل سن 65، ولكنه كان يعمل "بائع أقمشة" بمنطقة الأزهر، فكان ذلك العمل يساعده على الإنفاق، وكان يبيت فى المحل الذى يعمل فيه، إلى أن ذهب إلى الدار، وساعدته الصحفية ناهد عبد الحى فى استخلاص قرار المعيشة على نفقة الدولة.
وأعرب عم سلطان عن أن لا أمل له الآن إلا فى رحلة عمرة أو حج.

أهم الاخبار