رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

ثورة 1919... قنبلة فى وجة الاحتلال

أخبار وتقارير

السبت, 08 مارس 2014 16:43
ثورة 1919... قنبلة فى وجة الاحتلال
كتبت – آية الله محمد :

تعددت نكهات الظلم، ولكن موجة الثورة واحدة، فمصر التى عانت الكثير من الويلات على مر العصور من فساد الخلافة، إلى التفكك والاحتلال، ومن ثم العدو الداخلى؛ اعتاد شعبها أن يواجه الظلم رافضًا أبيًا شامخًا، بصرخة الثورة التى تنطلق لترفع رايات الحرية وتنهى آلام الاستبداد.

فثورة 1919، التى انطلقت فى مثل هذا اليوم، بدأت بسلسلة من الاحتجاجات الشعبية على السياسة البريطانية فى مصر عقب الحرب العالمية الأولى، بقيادة الوفد المصرى الذى كان يرأسه سعد زغلول ومجموعة كبيرة من السياسين المصريين، كنتيجة لتذمر الشعب المصرى من الاحتلال الإنجليزى وتغلغله فى شئون الدولة، بالإضافة إلى إلغاء الدستور وفرض الحماية وإعلان الأحكام العرفية وطغيان المصالح الأجنبية على الاقتصاد.
كانت أول موجة لأحداث الثورة فى صباح يوم الأحد 9 مارس 1919، بقيام العديد من  الطلبة بمظاهرات واحتجاجات فى أرجاء القاهرة والإسكندرية والمدن الإقليمية، حينها تصدت القوات البريطانية للمتظاهرين بإطلاق الرصاص عليهم، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى.
فأثناء فترة الاحتلال، وخلال أربع سنوات هى عمر الحرب العالمية الأولى، لاقى الشعب المصرى معاملة قاسية، من ظلم واستغلال وصدور أحكام عرفية ضده، ففى الريف قام الاحتلال البريطانى بمصادرة ممتلكات الفلاحين من ماشية ومحاصيل من أجل المساهمة فى تكاليف الحرب، كما حرصت السلطات العسكرية على إجبار الفلاحين على زراعة المحاصيل التى تتناسب مع متطلبات الحرب، وبيعها بأسعار قليلة، فضلاً عن تجنيد مئات الآلاف من الفلاحين بشكل قسرى للمشاركة فى الحرب فيما سُمى بـ"فرقة العمل المصرية" التى استخدمت فى الأعمال المعاونة وراء خطوط القتال فى سيناء وفلسطين والعراق وفرنسا وبلجيكا وغيرها. 
ونتيجة لنقص السلع الأساسية بشكل حاد، وتدهور الأوضاع المعيشية لكل من سكان الريف والمدن، شهدت مدينتا القاهرة والإسكندرية مظاهرات للعاطلين ومواكب للجائعين، فتطورت إلى ممارسات عنيفة تمثلت فى النهب والتخريب.
لم تفلح إجراءات الحكومة لمواجهة الغلاء، كتوزيع كميات من الخبز على سكان المدن أو محاولة ترحيل العمال العاطلين إلى قراهم، فى التخفيف من حدة الأزمة ، كذلك تعرض العمال ونقاباتهم لهجوم بسبب إعلان الأحكام العرفية وإصدار القوانين التى تحرم التجمهر والإضراب.
اعتقال سعد زغلول
خطرت للزعيم سعد زغلول فكرة تأليف الوفد المصرى للدفاع عن قضية مصر سنة 1918م، حيث دعا أصحابه إلى مسجد

«وصيف» للتحدث فيما كان ينبغى عمله للبحث فى المسألة المصرية بعد الهدنة (بعد الحرب العالمية الأولى) عام 1918، وتم تشكيل الوفد المصرى الذى ضم سعد زغلول ومصطفى النحاس ومكرم عبيد وعبد العزيز فهمى وعلى شعراوى وأحمد لطفى السيد وآخرين، وأطلقوا على أنفسهم «الوفد المصرى». 
وقام الوفد بجمع توقيعات من أصحاب الشأن، وذلك بقصد إثبات صفتهم التمثيلية، وجاء فى الصيغة: "نحن الموقعون على هذا قد أنبنا عنا حضرات: سعد زغلول و... فى أن يسعوا بالطرق السلمية المشروعة حيثما وجدوا للسعى سبيلاً فى استقلال مصر تطبيقًا لمبادئ الحرية والعدل التى تنشر رايتها دولة بريطانيا العظمى"، ثم اعتقل سعد زغلول ونفى إلى جزيرة مالطة بالبحر المتوسط هو ومجموعة من رفاقه فى 8 مارس 1919م؛ فانفجرت ثورة 1919م.
أحداث الثورة
فى اليوم التالى لاعتقال الزعيم الوطنى المصرى سعد زغلول وأعضاء الوفد، أشعل طلبة الجامعة فى القاهرة شرارة التظاهرات، وفى غضون يومين، امتد نطاق الاحتجاجات ليشمل جميع الطلبة بما فيهم طلبة الأزهر.
بعد أيام قليلة كانت الثورة قد اندلعت فى جميع الأنحاء من قرى ومدن، ففى القاهرة قام عمال الترام بإضراب مطالبين بزيادة الأجور وتخفيض ساعات العمل وغيرها ، وتم شل حركة الترام شللاً كاملاً، تلا ذلك إضراب عمال السكك الحديدية، والذى جاء عقب قيام السلطات البريطانية بإلحاق بعض الجنود للتدريب بورش العنابر فى بولاق للحلول محل العمال المصريين فى حالة إضرابهم، مما عجّل بقرار العمال بالمشاركة فى الأحداث.
ولم يكتفِ هؤلاء بإعلان الإضراب، بل قاموا بإتلاف محولات حركة القطارات، وابتكروا عملية قطع خطوط السكك الحديدية (التى أخذها عنهم الفلاحون وأصبحت أهم أسلحة الثورة). 
وأضرب سائقو التاكسى وعمال البريد والكهرباء والجمارك، تلا ذلك إضراب عمال المطابع وعمال الفنارات والورش الحكومية ومصلحة الجمارك بالإسكندرية.
ولم تتوقف احتجاجات المدن على التظاهرات وإضرابات العمال، بل قام السكان فى الأحياء الفقيرة بحفر الخنادق لمواجهة القوات البريطانية وقوات الشرطة، وقامت الجماهير بالاعتداء
على بعض المحلات التجارية وممتلكات الأجانب وتدمير مركبات الترام.
وعندما أرسل الإنجليز سفينة مسلحة إلى أسيوط، هبط مئات الفلاحين إلى النيل مسلحين بالبنادق القديمة للاستيلاء على السفينة.
على الجانب الآخر كان رد فعل  القوات البريطانية من أفظع أعمال العنف الذى لاقاه المصريون فى التاريخ الحديث، فمنذ الأيام الأولى كانت القوات البريطانية هى أول من أوقع الشهداء بين صفوف الطلبة أثناء المظاهرات السلمية فى بداية الثورة.
وعقب انتشار قطع خطوط السكك الحديد، أصدرت السلطات بيانات تهدد بإعدام  كل من يساهم فى ذلك، وبحرق القرى المجاورة للخطوط التى يتم قطعها، وتم تشكيل العديد من المحاكم العسكرية لمحاكمة المشاركين فى الثورة.
لم تتردد قوات الأمن فى حصد الأرواح بشكل لم يختلف أحيانًا عن المذابح، كما حدث فى الفيوم عندما تم قتل أربعمائة من البدو فى يوم واحد على أيدى القوات البريطانية وقوات الشرطة المصرية.
ولم تتردد  القوات البريطانية فى تنفيذ تهديداتها ضد القرى، كما حدث فى قرى العزيزية والبدرشين والشباك وغيرها، حيث أُحرقت هذه القرى ونُهبت ممتلكات الفلاحين، وتم قتل وجلد الفلاحين واغتصاب عدد من النساء.
وأُوفِدت لجنة ملنر للوقوف على أسباب هذه التظاهرات، ودعا اللورد ملنر الوفد المصرى فى باريس للمجىء إلى لندن للتفاوض مع اللجنة، وأسفرت المفاوضات عن مشروع للمعاهدة بين مصر وإنجلترا، ورفض الوفد المشروع وتوقفت المفاوضات.. وعادت المفاوضات للاستئناف مجددًا، وقدمت لجنة ملنر مشروعًا آخر،؛ فانتهى الأمر بالوفد إلى عرض المشروع على الرأى العام المصرى.
قابل الوفد اللورد ملنر وقدموا له تحفظات المصريين على المُعاهدة، فرفض ملنر المناقشة حول هذه التحفظات، فغادر الوفد لندن فى نوفمبر 1920 ووصل إلى باريس، دون أى نتيجة.
ودعت بريطانيا المصريين إلى الدخول فى مفاوضات لإيجاد علاقة مرضية مع مصر غير الحماية، فمضت وزارة عدلى بمهمة المفاوضات، ولم تنجح المفاوضات بعد رفضها لمشروع المُعاهدة، فنشر سعد زغلول نداء إلى المصريين دعاهم إلى مواصلة التحرك ضد الاحتلال البريطانى؛ فاعتقلته السلطة العسكرية هو وزملائه.
نهاية   الثورة
اضطرت إنجلترا الى عزل الحاكم  البريطانى والإفراج عن سعد زغلول وزملائه، الذين عادوا من المنفى إلى مصر، وسمحت إنجلترا للوفد المصرى برئاسة سعد زغلول بالسفر إلى مؤتمر الصلح فى باريس ليعرض عليه قضية استقلال مصر. 
لم يستجب أعضاء مؤتمر الصلح بباريس  لمطالب الوفد المصرى؛ فعاد المصريون إلى الثورة وازداد حماسهم، وقاطع الشعب البضائع الإنجليزية، فألقى الإنجليز القبض على سعد زغلول مرة أخرى، و نفوه مرة أخرى إلى جزيرة سيشيل فى المحيط الهندى، فازدادت الثورة اشتعالاً، وحاولت إنجلترا القضاء على الثورة بالقوة، ولكنها فشلت.
وحققت الثورة مطالبها، ففى 28 فبراير ألغت بريطانيا الحماية المفروضة على مصر منذ 1914.
وفى 1923، صدر الدستور المصرى وقانون الانتخابات، وألغيت الأحكام العرفية، ولكن لم تستطع الثورة تحقيق الاستقلال التام؛ فقد ظلت القوات البريطانية متواجدة فى مصر حتى جلائها 1954.


 

أهم الاخبار