رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الحلقة الخامسة

لواء أركان حرب متقاعد حسام سويلم يكتب: معركة استعادة الوعى

أخبار وتقارير

الأربعاء, 14 أغسطس 2019 20:31
لواء أركان حرب متقاعد حسام سويلم يكتب: معركة استعادة الوعى

أفكار «ابن تيمية».. سبب انتشار الجماعات المتطرفة والإرهابية

علماء المسلمين اكتشفوا مخالفة فتاواه لصحيح الدين الإسلامى

تنظيمات الإسلام السياسى تلجأ للإرهاب بهدف الوصول إلى السلطة

الهلاك مصير أعداء مصر من الخوارج الذين يكفرون المسلمين

 

يقول المولى عز وجل: «لقد كانت لكم أسوة حسنة فى إبراهيم والذين معه»، وامتثالاً لهذا الأمر الإلهى، وبقراءة الآيات القرآنية التى تتحدث عن قصة سيدنا إبراهيم، نجد أن أبرز ما فيها قيام حضرته بتحطيم الأصنام التى كان يعبدها قومه كبداية لدعوة حضرته لقومه بعبادة الله الواحد الأحد لا شريك له، وقد وصفهم القرآن بأنهم مصادر ضلال للناس الذين اتبعوهم: «إنهن أضللن كثيراً من الناس» (36- إبراهيم)، وقوله تعالى على لسان حضرته «والله لأكيدن أصنامكم» (57- الأنبياء).

وغنى عن القول إن سيدنا إبراهيم لم يكن يكايد أصناماً حجرية، فضلاً عن أن الأصنام الحجرية لا تضل إنساناً ولو عكف على الركوع والسجود لها مئات السنين، ولكن الذى يضل هو إنسان أعمل عقله فى كيفية إفساد عقيدة الناس وحياتهم بما يدسه فى عقولهم من أفكار ومبادئ منحرفة ومتطرفة، تبعدهم عن عبادة الله وطاعته، وتحرفهم إلى عبادة الشيطان وما يوحى لهم فى عقولهم من أفكار فاسدة ومبادئ هدامة، توردهم ومجتمعاتهم موارد الضياع والهلكة، وبما تثيره فيها من فتن طائفية وعرقية، ومع استمرار اعتقاد الناس فى أئمة الفكر الضال والمنحرف، واتباعهم وطاعتهم، فإنهم يكونون بذلك كمن ينحتون لهم فى قلوبهم مقامات أشبه بمقامات الآلهة، ينفذون كل ما يأمرونهم به من أعمال قتل وهدم وتخريب وإرهاب وترويع للآمنين دون وعى أو تفكير، باعتبار ذلك من أساسيات الدين، وعملاً بمبدأ «السمع والطاعة»، فى حين أنهم بذلك يصدق فيهم قول المولى عز وجل: «الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً» (104 - الكهف).

لذلك كانت بداية دعوة سيدنا إبراهيم هى هدم هذه الأصنام البشرية فى قلوب أتباعهم، وإظهار حقيقتهم بأنهم أولياء الشيطان، وليسوا أولياء الله كما يزعمون، فضلاً عن كشف عوراتهم وما أكثرها خلقياً واجتماعياً وسياسياً، وبما ينفر أتباعهم منهم ويصرفهم عن حسن الاعتقاد فيهم ويشككهم فى دعاواهم الباطلة لينفروهم منها، وهذه مسئولية وتكليف إلهى دائم لأئمة الإيمان فى الأمة المحمدية، مصداقاً لقوله تعالى «فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا إيمان لهم» (12 - التوبة)، وبديهى أن الخطاب فى هذه الآية موجه إلى أئمة الإيمان فى الأمة المحمدية على الدوام والاستمرار الذين يدعون ببصيرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى حكم قوله تعالى «قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى» (108 - يوسف)، وهو تكليف إلهى لهم على الدوام والاستمرار، ومن هنا تنبع أهمية التصدى الفكرى لكافة دعاوى التطرف والتكفير والقتل والإرهاب التى ينشرها أئمة الفكر الإرهابى، وعلى رأسهم كاهنهم الأعظم ابن تيمية.

وتأسياً بسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام فى قيامه بتحطيم هذه الأصنام البشرية، وكما يوضحه لنا القرآن، لم يكن تحطيماً مادياً ولكن بإقامة الحجة البالغة والبرهان الساطع على كذب وزيف وانحراف دعاويهم الباطلة، وتعارضها مع حقيقة الدين كما توضحها آيات القرآن، مصداقاً لقوله تعالى: «وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه» (83 - الأنعام) ذلك أن كشف بطلان دعاوى أئمة الفكر المتطرف والإرهابى، وإثبات تعارضها مع القرآن وصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعد أمضى فى قتل دعاوى الباطل والقضاء عليها من قتال السيف، لا سيما بعد كشف تضاربها مع بعضها البعض، وتناقضها مع بديهيات العقل والمنطق السليم.

 

إمام التكفيريين

يعتبر ابن تيمية الذى عاش فى القرن الثامن الهجرى «الثالث عشر الميلادى» أخطر أئمة الفتنة الذين نشروا الفكر المتطرف والإرهابى فى الأمة الإسلامية من تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وحرياتهم لمجرد الاختلاف على أبسط مسائل العبادات، وقد بلغ ابن تيمية أبعد درجات التوسع فى التكفير والحكم بالقتل حتى أصبحت العبارة الشهيرة «يستتاب فإن تاب وإلا قتل» علماً تتميز به مؤلفات ابن تيمية وفتاواه وتستند إليها وتناقلتها عنه الجماعات الإرهابية والمتطرفة.

ومن الملفت للنظر أن ما آثاره ابن تيمية وأتباعه العديد من الفتن الخطيرة فى الأمة الإسلامية جاء فى أشد الأوقات خطراً، حيث كانت الأمة تتعرض لهجمات التتار والصليبيين فى القرنين الحادى عشر والثانى عشر فى آن واحد، ولم يكن حدوث هذه الفتن فى ذلك الوقت بالتحديد مصادفة، وإنما كان أمراً متعمداً ومدبراً لتفريق الأمة الإسلامية، وبث الوهن والضعف فيها وإلهائها من محاربة الأعداء الذين احتلوا الأرض والمقدسات وراحوا ينهبون ثروات البلاد الإسلامية فى غفلة من أهلها المشغولين بالمؤامرات والفتن التى أثارها ابن تيمية وأتباعه.

واليوم تتكرر المؤامرة نفسها على أيدى الجماعات السلفية والإخوان وأتباعهم من جماعات إرهابية متطرفة، الذين ينشرون الفتن والصراعات الدموية، ويسعون إلى نشر الكراهية بين فئات المجتمع، وتمزيق وتدمير وتخريب المجتمعات الإسلامية استناداً إلى نفس فتاوى ابن تيمية بالتكفير والقتل واستحلال حرمات المسلمين فى أشد الأوقات حرجاً على الأمة الإسلامية، حيث يحتل اليهود المسجد الأقصى، ويتكالب الأعداء على الأمة لاستنزاف ثرواتها والتحكم فى حاضرها ومستقبلها وإضعاف المجتمعات الإسلامية وشق صفوفها وتمزيقها وشغل جيوش المسلمين وإلهائها وإضعافها وهى تخوض اليوم معركة المصير دفاعاً عن الإسلام ومقدساته فى مواجهة الهجمة الصهيونية الشرسة ضد العالم العربى وتستهدف ابتلاع الأراضى العربية فى فلسطين وما حولها من أراضى دول عربية أخرى، فضلاً عن هدم واحد من أقدس مقدسات المسلمين وهو المسجد الأقصى، بل وصل الأمر إلى قول الزعيم الصهيونى بن جوريون فى عام 1968: «إن لنا حقوقاً فى الكعبة التى بناها أبونا إبراهام»، وهو وضع يماثل تماماً ما كان عليه العالم العربى فى القرن الحادى عشر عندما كان المسلمون يقاتلون التتار، وكان ابن تيمية يقوم بدور الوساطة بين المسلمين والتتار، وعندما اكتشفت خيانته حكم عليه بالسجن، وتم بالفعل سجنه فى دمشق والقاهرة ومات فى سجن القلعة بدمشق.

 

 

فتاوى للسلفيين والإخوان

تشكل فتاوى ابن تيمية الأساس الفكرى للجماعات السلفية والإخوان فى تكفير المجتمع فى مصر ومقاتلة أهله، كما جاء فى كتابى «معالم فى الطريق» و«فى ظلال القرآن» لسيد قطب، وأيضاً كتاب «الفريضة الغائبة» لتنظيم الجماعة الإسلامية التى قتلت الرئيس الأسبق أنور السادات وقد وضعه عبدالسلام فرج، وما عرف آنذاك بـ «تنظيم الجهاد» الذى قام أيضاً بقتل أكثر من 130 من جنود وضباط الشرطة فى أسيوط يوم 8 أكتوبر 1981، استناداً لما جاء فى الجزء الرابع من باب الجهاد فى كتاب «الفتاوى الكبرى لابن تيمية» بتكفير الحاكم وقتله وكل عناصر السلطة التابعة له بزعم عدم تطبيق الشريعة الإسلامية، ولا يزال كتاب «الفريضة الغائبة» منشوراً على مواقع التنظيم على شبكة الإنترنت بكل ما يحويه من فتاوى ابن تيمية فى التكفير والقتل.

كما كانت كتب ابن تيمية، خاصة «الفتاوى الكبرى» و«السياسة الشرعية فى إصلاح الراعى والرعية» تشكل الأساس والسند الفكرى للعديد من الجماعات الإرهابية التى اتسع نشاطها منذ تسعينيات القرن الماضى كـ«الجماعة الإسلامية» و«جماعة الشوقيين» و«جماعة السماوى» وغيرها، وحتى تنظيم «داعش»

الإرهابى الذى أعلن فى مواقعه الإلكترونية المنشورة عام 2014 أن فتاواه مأخوذة من فتاوى ابن تيمية، ولم تكن جرائم هذه الجماعات التى فاقت كل ما عرفه العصر الحديث من الشراسة والدموية والوحشية سوى تنفيذ وتطبيق حرفى لفتاوى ابن تيمية فى كتابة «الفتاوى الكبرى» فى باب الجهاد.

وقد قام الشيخ حسين الذهبى- وزير الأوقاف الأسبق الذى اغتالته جماعة التكفير والهجرة عام 1976- بفضح أكاذيب ابن تيمية والسلفيين والإخوان فى حق النبى صلى الله عليه وسلم، لذلك قامت هذه الجماعة بزعامة شكرى مصطفى باغتياله، لذلك يقول كثير من المفكرين إن ابن تيمية لم يمت، بل لا يزال حياً يعيش بأفكاره الهدامة بيننا، يستلهم منها قادة الجماعات السلفية والإخوان فتاوى القتل والتدمير والتخريب، ونشر الكراهية ضد المسيحيين والتحريض على إيذائهم، فجميع هؤلاء يستندون حتى اليوم فى أعمالهم الإرهابية إلى فتاوى ابن تيمية، لذلك فإن علينا ونحن نحارب الإرهاب أننا لا نحارب شخصيات تاريخية، بل نحارب أشخاصًا أحياء، فإذا ذهبت إلى الإخوان أو السلفيين فسنجدهم يقولون إن ابن تيمية يعيش معنا الآن ونحن مسئولون عن تنفيذ كل أفكاره، لذلك يجب الاعتراف بأن ابن تيمية له اليوم مفعول قوي فى الحركة السلفية والإخوان، بل وفى الحركة الوهابية، نفس الأمر فى التعامل مع تنظيم داعش، فكيف يمكن قبول المزاعم بأن هذا التنظيم الذى يبرر كل جرائمه الوحشية التى يرتكبها اليوم فى حق المسلمين بأنها تستند إلى التراث القديم، فى حين أنها من حيث الواقع تستند إلى فتاوى حديثة يصدرها كهنة هذا التنظيم استناداً أو اعتماداً على فتاوى قديمة لابن تيمية يتم تحديثها اليوم طبقاً للظروف ومتطلبات التنظيم الإرهابى.

 

تكفير المسلم وقتله

تحفل كتب ابن تيمية بالفتاوى الباطلة المخالفة للقرآن والسنة والتى تحكم بتكفير المسلمين وقتلهم واستحلال دمائهم وكافة حرماتهم، وكلها بلا سند على الإطلاق، بل وتتعارض تعارضاً تاماً مع القرآن والسنة، والتى سنورد لها أمثلة فقط فى هذا المقال، حيث تدعو للتوسع فى قتل المسلم لأخيه المسلم، إلى حد الحكم بقتل من يؤدى الصلاة ولكنه يجهر بالنية فى صلاته بدعوى أنه يشوش على من حوله فى المسجد، «المسألة الأولى بالمجلد الأول من كتاب الفتاوى الكبرى لابن تيمية ص 1».

كذلك أفتى ابن تيمية بقتل المسلم الذى لا يحضر صلاة الجماعة بالمسجد، وقتل المسلم الذى يؤخر صلاة الفجر إلى ما بعد طلوع الشمس «المسألة الثامنة من المجلد الثامن من كتاب الفتاوى الكبرى ص 50» و«المسألة 220 بالمجلد الأول من الفتاوى الكبرى ص 361».

كما يفتى ابن تيمية بقتل المسلم لأخيه المسلم لمجرد أنه يخالفه فى الرأى فى المسائل الفقهية الفرعية كصيام المسافر فى رمضان وقصر الصلاة فى السفر «المسألة 223 بالمجلد الأول من كتاب الفتاوى الكبرى لابن تيمية» و«المسألة ص 52 بالمجلد الثانى من نفس الكتاب ص 114 فى شأن قصر الصلاة للمسافر».

وأخيراً يفتح ابن تيمية باب القتل على مصراعيه بالحكم بقتل أى مسلم بالشبهات، وبمجرد اتهامه بأنه منافق يظهر الإسلام ويبطن الكفر، رغم أن حقيقة هذا الاتهام لا يعلمه إلا الخالق عز وجل «المجلد الأول من كتاب الفتاوى الكبرى لابن تيمية ص 359»، حيث تتعارض هذه الفتوى لابن تيمية مع صريح آيات القرآن التى تؤكد أن المولى عز وجل هو وحده الذى يعلم حقيقة ما فى قلوب المنافقين، مصداقاً لقوله تعالى: «ليجزى الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم» (24 - الأحزاب).

 

إكراه المسلمين

يدعو ابن تيمية إلى إكراه المسلمين بالسيف على الالتزام بأمور الدين كما يراها هو وأتباعه، وقتل من لا يلتزمون بالعبادات «كالصلاة أو الحج أو الصيام» بل وقتل من يتركون صلاة السنة، وقتل من بلغته الدعوة ولم يستجب لها، إلى آخر فتاواه الخطيرة فى الإكراه والقتل التى أوردها فى كتاب «السياسة الشرعية فى إصلاح الراعى والرعية»، والتى نورد منها الأمثلة الآتية:

1 - يدعو ابن تيمية فى ص 14 من كتابه المشار إليه آنفاً إلى أن يضرب بالسيف كل من يعدل عن المصحف فيقول «لقد أمرنا رسول الله أن نضرب بهذا- يعنى السيف- من عدل عن هنا يعنى المصحف»، وهذه الفتوى لابن تيمية تذكرنا بشعار جماعة الإخوان الذى يتمثل فى سيفين متقاطعين وبينهما المصحف وكلمة «أعدوا».

2 - كما يدعو ابن تيمية إلى قتل من يترك الصلاة حتى ولو كان يقر بوجوبها، ولكنه يتركها تكاسلاً أو تشاغلاً، فيقول فى ص 35 من الكتاب المذكور «يجب قتل تارك الصلاة إذا امتنع عن الصلاة بعد أن يستتاب، فإن تاب وصلى وإلا قتل، وهل يقتل كافراً أو مسلماً فاسقاً فيه قولان: وأكثر السلف على أنه يقتل كافراً، وهذا كله مع الإقرار بوجوبها».

3 - ويزعم ابن تيمية بجواز قتل من يقصر فى أداء السنن فى الصلاة كركعتى الفجر.. فيقول فى ص 64 من الكتاب المذكور: «اختلف الفقهاء فى الطائفة الممتنعة لو تركت السنة الراتبة كركعتى الفجر، هل يجوز قتالها؟.. على قولين».

4 - كما يفتى ابن تيمية بوجوب قتل من يرتكبون المحرمات، وكذلك قتل من لا يلتزمون بالصلاة وحج البيت الحرام والصيام والزكاة.. فيقول فى ص 64 من الكتاب المذكور «أما الواجبات والمحرمات الظاهرة والمستفيضة، فيقاتل عليها بالاتفاق حتى يلتزموا أن يقيموا الصلوات المكتوبات ويؤدوا الزكاة ويصوموا شهر رمضان ويحجوا البيت».

5- ويتوسع ابن تيمية فى إشاعة القتل بأن يدعو أى جماعة إلى مقاتلة غيرها من المسلمين لإلزامهم بما تراه من أمور الدين.. وأن تقتل كل من يقف أمام دعوتها ولا يستجيب لها، فيقول فى ص 109 من نفس الكتاب «كل ما بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دين الله فلم يستجب لها فإنه يجب قتاله».

 

نشر الفتنة

عاش ابن تيمية فى الفترة من 1263- 1328 ميلادية، ويرجع أصله إلى مدينة حاران فى سوريا وهى موطن الصائبة واليهود، وكان نسبه مجهولاً وكذلك اسمه الذى ينسب إلى «تيمية» وهو اسم امرأة قيل إنها جدته، وقد هاجر بشكل غامض إلى دمشق فى الوقت الذى كان فيه التتار

يستعدون فيها للهجوم على الشام بعد اجتياحهم للعراق وسقوط الخلافة العباسية فيها، وقد تزامن ذلك مع تعرض الأمة الإسلامية لهجمات الصليبيين، وكان التتار يستعدون لمهاجمة مصر التى كانت تمثل القلعة الأخيرة للدفاع عن الإسلام بعد أن اجتاحوا البلاد الإسلامية واحدة بعد أخرى إلى أن وصلوا قرب غزة.

وفى هذا الوقت الحرج بدأ ابن تيمية وأتباعه فى أداء دورهم الخطير فى إشعال الفتن والقلاقل بين المسلمين وبث الفرقة بينهم وإشغالهم وإلهائهم عن التصدى للخطر الجسيم الذى يحيق بهم على أيدى أعداء الإسلام، حيث آثار ابن تيمية وأتباعه فى وقت قصير جداً العديد من القضايا الدينية التى تفرق الناس وتخلق الصراعات بينهم، من ذلك تشكيك ابن تيمية فى «شفاعة الرسول»، والدعوة إلى محاربة كافة مظاهر الحب والمودة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث وصفها فى فتاواه بأنها «شرك»، كما أفتى بتحريم السفر لزيارة مسجد رسول الله فى المدينة المنورة، ووصفه بأنه «سفر فى معصية»، كما راح يردد أقوال المشبهة والمجسمة ويتطاول على الذات الإلهية ويثير القضايا الخلافية حول الصفات الإلهية، وينكر تأويل الآيات المتشابهات التى وردت فيها، كما تطاول أيضاً على الصحابة جميعاً واتهمهم بأسوأ الاتهامات وعلى رأسهم سيدنا أبوبكر وعمر وخالد بن الوليد.

 

فتاوى باطلة

وبالنظر لخطورة الفتاوى والأقوال التى صدرت عن ابن تيمية فى الكتب المشار إليها آنفاً وغيرها، فقد تصدى له عشرات من العلماء المعاصرين لابن تيمية والملاحقين له حتى اليوم، بالرد على مزاعمه وفتاواه وكشف حقيقته ودوره فى نشر الفتن والقلاقل فى الأمة الإسلامية ومحاربة المعتقدات الصحيحة للمسلمين.

من أشهر ما كتبه العلماء السابقون عن ابن تيمية ما جاء فى كتاب ابن حجر العسقلانى «الدرر الكامنة» طبعة دار الجيل ببيروت، حيث ذكر العسقلانى فى ص 145 من كتابه: أن فتاوى ابن تيمية أوقعت الفتن بين العلماء والعامة، وأن ابن تيمية كان يردد أقوال المجسمة ومتعقدات اليهود، لذلك فقد نودى فى دمشق أن «من أعتقد عقيدة ابن تيمية حل دمه»، كما قال فى ص 155 إن ابن تيمية قد لاحقته الاتهامات بأنه من المجسمة «لأنه كان يردد معتقدات اليهود فى التشبه والتجسيم»، وبأنه زنديق لتطاوله على الرسول، وبأنه منافق لتطاوله على الصحابة بأشنع الاتهامات.

ومن أشهر ما كتبه العلماء المحدثون عن ابن تيمية ما أورده مفتى الديار المصرية الشيخ محمد بخيت المطيعى المتوفى عام 1935، حيث هاجم ابن تيمية هجوماً شديداً فى كتابه المشهور «تطهير الفؤاد من دنس الاعتقاد» طبعة مكتبة الحقيقة عام 1922، واتهم ابن تيمية بالخروج عن الدين وإثارة الفتن والقلاقل وسوء المعتقد فى الله تعالى والرسول وكبار الصحابة.

فقد ذكر فى ص 11 «إن الكثيرين من علماء عصر ابن تيمية قد حكموا عليه بالكفر.. وإن العلماء الأقل تشدداً قد حكموا عليه بالفسق».

كما قال فى نفس الصفحة «إن ابن تيمية لم يكتف بسبب الأحياء حتى حكم بتكفير الأموات أيضاً، ولم يكفه التعرض لمن تأخر من صالحى السلف حتى تعدى على الصدر الأول من الصحابة ومن له أعلى المراتب فى الفضل.. فنسب إلى سادتنا عمر بن الخطاب، وعلى بن أبى طالب الأخطاء والغلطات وبلبات أى بلبات، وزعم أن الأنبياء غير معصومين، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا جاه له ولا يتوسل به، وأن السفر إليه للزيارة معصية لا تقصر الصلاة فيه».

كما قال فى ص 12 «إن ابن تيمية كان يقول بالجسمية والجهة والانتقال، وأن الله بقدر العرش لا أصغر ولا أكبر، تعالى الله عن هذا الافتراء الشنيع والكفر البداع الصريح».

كما قال أيضاً فى ص 17 «إن ما يزعمه ابن تيمية من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كان سبيلاً إلى هتك الأستار والأعراض وإثارة الفتن والقلاقل ليقع الناس فى فتنة عامة».

لذلك لم يكن غريباً أن تكون المعتقدات الفاسدة التى دعا إليها ابن تيمية عن الذات الإلهية والرسول والصحابة لم تجد قبولاً أو استجابة من العامة والعلماء، أن تكون سبباً فى محاربة المسلمين المعاصرين له لأقواله وفتاواه ودخوله السجن مرات حتى مات فيه.

 

دعاة الفتنة

لا يتورع دعاة الفتنة من أتباع ابن تيمية عن الدعوة صراحة إلى ارتكاب أبشع الجرائم من سفك الدماء وقتل الأبرياء من المسلمين تحت شعارات «الجهاد»، فضلاً عن جرائم السرقة والسلب والنهب تحت ستار الجهاد، ومن أبرز الأمثلة الخطيرة على ذلك ما يلى:

1 - ما يقوله سيد قطب فى ختام كتابه «معالم فى الطريق» طبعة دار الشروق ص 184 تحت عنوان «هذا هو الطريق، حيث يصف الطريق الذى يسلكه الإخوان بأنه الطريق الدامى المفروش بالجماجم والأشلاء وبالعرق وبالدماء، ويدعو أتباعه إلى عدم إعمال العقل أو التفكير فى عاقبة ما يوكل إليهم من مهام وتكليفات، وفى اتفاقها أو تعارضها مع الحق والباطل، فيقول بالحرف الواحد «هذه اللفتة جديرة بأن يتدبرها الدعاة إلى الله.. فلا يلتفتون فى أثناء الطريق الدامى المفروش بالجماجم والأشلاء وبالعرق والدماء إلى نصر أو غلبة أو يفصل بين الحق والباطل»، وهذه الدعوة من سيد قطب إلى أتباعه من الإخوان والسلفيين بالتسليم الأعمى وعدم إعمال العقل أو التفكير فى عاقبة ما يأمرهم به قاداتهم من ارتكاب جرائم قتل وسفك دماء وتخريب وتدمير، باعتبار هذه الأعمال أمرًا طبيعيًا فى إطار الدعوة إلى الله.. ذلك لأن أى فرد من أتباعه لديه ذرة من عقل سيراجع نفسه ويفكر فيما يؤمر به من الجرائم، سيدرك على الفور أنها تتعارض تعارضاً تاماً مع القرآن والسنة النبوية الشريفة ومع أدنى مراتب الإنسانية، كما لا يمكن أن يقبلها عقل أو فطرة سليمة.

2 - كما يدعو كتاب «الحكم الجديرة بالإذاعة» تقديم وتعليق الشيخ ناصر الدين الألبانى من يسميهم بـ«المجاهدين» صراحة إلى السلب والنهب واستحلال الأموال والحرمات وسبى النساء من المسلمين المخالفين لهم، تحت الزعم بأن ذلك كله هو «رزق الله للمجاهدين»، ويعتبر هذا الكتاب أحد المراجع الفكرية للتنظيمات الإرهابية التى نقل عنها منظر الجماعة الإرهابية التائب عادل عبدالباقى نظريته فى استحلال الحرمات، حيث يقول فى ص 35 «إن رزق المؤمنين لا يتحقق بالسعى فى طلب الدنيا والاجتهاد فى أسبابها.. دائماً جعل الله رزقهم يتحقق بقتل أعدائهم الممتنعين عن قبول دعوة التوحيد واستباحة أموالهم وسبى نسائهم وذراريهم».. كما يزعم هذا الكتاب أن المجاهدين يجب ألا ينشغلوا بالزراعة كعامة الناس، فيقول فى ص 35 «إن الله جعل أرزاق المجاهدين فى أسنة رماحهم، فإذا زرعوا كانوا كالناس»، ويزعم أن المجاهدين الأوائل كانوا يقولون «والله ما جئنا زارعين ولكن جئنا لنقتل أهل الزرع ونأكل زرعهم»، ومن الواضح أن هذه دعوة للقرصنة باسم الدين تتعارض تعارضاً تاماً مع كل آيات القرآن التى تدعو المسلمين إلى الأخذ بكل أسباب تحصيل الرزق الحلال «يا أيها الناس كلوا مما فى الأرض حلالاً طيباً ولا تتبعوا خطوات الشيطان أنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون» (169- البقرة).

 

مخالفة القرآن والسنة

لا يخفى على أى مسلم التعارض الكامل لدعوات ابن تيمية وفتاواه فى التكفير والقتل واستحلال الحرمات مع آيات القرآن وأحاديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقد نهى الله تعالى عن تكفير المسلم لأخيه المسلم، كما حذر رسول الله تحذيراً شديداً من هذا المسلك فى حديثه الشريف «إذا كفر الرجل أخاه فلقد باء بها أحدهما»، مؤكداً حديثه الآخر «لا يرمى الرجل رجلاً بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك».

كما حذرت آيات القرآن أشد التحذير من استحلال حرمات المسلمين من الدماء والأموال والأعراض، ووصف الحديث الشريف المؤمن الصادق بأنه من يأمنه الناس على دمائهم وأموالهم «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من آمنه الناس على دمائهم وأموالهم والمهاجر من هاجر ما نهى الله عنه».

وتعارض فتاوى ابن تيمية بالقتل لكل من يحكم عليه بالكفر من المسلمين تعارضاً تاماً مع القرآن والسنة، فقد حرم الله تعالى قتل أى إنسان لمجرد أنه كافر، حتى ولو اعترف بكفره وأعلنه، وجعل الله قتال الكافرين مشروطاً بأن يبدأوا هم بقتال أو اعتداء أو يمثلوا خطراً أو تهديداً للمسلمين وأرضهم ومقدساتهم وحرماتهم، وهو ما يتبين من قوله تعالى «وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين» (190- البقرة)، وكذا قوله تعالى «ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين»، فما بالنا بهؤلاء الخوارج من أتباع ابن تيمية الذين يدعون السلفية ويحكمون بالكفر على المسلمين الذين يؤدون كل الفرائض لمجرد مخالفتهم لدعوتهم وعدم اتباعهم لجماعتهم؟.. وما بالنا أيضاً بالذين يستحلون كافة حرمات المسلمين ويرتكبون أبشع الجرائم، بدعوى أنها رزق الله الذى يرزق به هؤلاء «المجاهدين»؟

أهم الاخبار