نظرات في الثورة المصرية(2)

بقلم : أحمد جمال عبد العزيز

لو وجهنا اسهم تحليلاتنا نحو الوراء قليلاً و اعدنا قراءة تاريخ ثورة عرابى و ثورة 19 لوجدنا أن الوضع المصرى كان أصعب.  ففى الاولى سقطت الحكومة و ظهرت لنا من كان يتحكم فيها، و هى انجلترا فى ذلك الحين. و اضطر الجيش المصرى أن يواجهها عسكرياً بقدراته المحدودة آنذاك لتمر مصر بواحدة من اسوأ فتراتها فى العصر الحديث تحت وطأة الاحتلال. و فى الثانية قام المصريون انفسهم باستيعاب الدرس جيداً. لم يكترسوا لحالة الفوضى التى تستتبع قيام الثورات، بل على العكس، قاموابقطع السكك الحديدية و البريد. و توقفت البلاد حتى حصل المصريون على حياة شبه ديموقراطية فى ذلك الوقت (فلقد كانت هناك بعض السقطات، فالدستور لم يصدر من جمعية تأسيسية أو حتى بناءاً على عقد اجتماعى،و لكنه كان منحة من الحاكم، الا ان المصريين قد حققوا مرادهم نهاية الامر وتولى الوزارة سعد زغلول رمز المصريين آنذاك).  و لكن هذا لا يعنى اننا ملزمون بهذه الخسائر، و أنها فرضاً علينا. بالعكس،فبقدر الكفاءة و حسن ادارة الموقف اثناء الثورة، يمكن أن تتحول هذه الخسائر الى مكاسب. فالتاريخ لن ينسى كيف ادار المصريون ميدان التحرير بكفاءة شديدة بدون لجان أو قيادات عليا و كيف قدم المصريون اروع حل لمواجهة الفراغ الامنى الذى ينتج عن التحول نحو الديموقرطية، و هو اللجان الشعبية لحماية الممتلكات العامة. فالثورة المصرية دربت المصريين على تصريف شؤون البلاد مدنياً فى حالة غياب حكومة. هو  ذلك الامر الذى لا تزال اسرائيل تحاول تدريب شعبها عليه فى حالة ما ان نشبت حرب هناك. فالقلق الذى شعر به المصريون ابان ثورة 25 يناير كان حلما بالامن بعيد المنال بالنسبة للثورات الاخرى.  ففى فرنسا على سبيل المثال، قام الثوار بقتل كل ما يتصل و لو من بعيد بالاسرة المالكة، بل و بطبقة النبلاء. فمظاهر الغل و الكراهية التى انتابت الثوار فى فرنسا بلغت ذروتها حين تمثلت فى ذلك المشهد الذى خلع فيه الثوار بوابة سجن الباستيل التى تزن مئات  الاطنان.  و عندما وصل قادة الثورة للحكم قاموا بقتل الثوار انفسهم و اخماد الثورة.  و كان رئيس الحرس الذى أعطى الامر آنذاك باطلاق النار على الثوار هو نابليون بونارت!
و فى انجلترا، و هى التى يطلق عليها الفقهاء الدستوريون قلعة الديموقراطية، فلقد كانت المعارك طاحنة حتى استقرت المملكة على شكلها الديموقراطى المعروف لنا الآن.  كانت ثورة الانجليز كئيبة أليمة.  فالثورة عندما قامت فى انجلترا كان هدفها الرئيسى هو ارساء نظام برلمانى دستورى. ولكن حربا أهلية عنيفة انتهت بالثورة الى الاطاحة بالملك تشارلز الاول و انهاء نظام المملكة. ففى وسط قلة من الفلاحين، خرج فلاح انجليزى كان يدعى كرومويل، لم يكن له شأن يذكر حتى سن الاربعين عندما ورث من أحد أقاربه و أصبح ذو شأن فى المجتمع الانجليزى. تدرج كرومويل فى المناصب الى ان اصبح نائباً فى برلمان المملكة.و بسبب نزاع بين البرلمان و الملك، شن كرومويل حرباً ضروس على الاسرة المالكة، و قام
بقطع دابر الملك و أعوانه فى حروب عارمة اجتاحت انجلترا و اسكتلندا و ايرلندا. اجتاحت الاضطرابات انجلترا التى افتقدت لعنصر الأمن لفترة طويلة. و اكتشف الانجليز ان حياتهم لا تستقيم بدون المملكة، فثاروا على كرومويل الابن و مثلوا بجسده هو و ابيه وأعادوا بقايا الاسرة المالكة ليحكموهم من جديد. و بدأت انجلترا رحلة كفاح طويلة بعد ذلك. امتدت تلك الرحلة لقرون حاول الانجليز فيها انتزاع السلطات من الملك و اعطائها للشعب متمثلاً فى مجلس العموم كى تتولد عنه حكومة لها كافة الصلاحيات.  رحلة كفاح بدأت من الثورة التى نشأت عنها الوثيقة الكبرى كى تنتزع من الملك سلطة فرض الضرائب، انتهاءاً بقيامستانلى بلدوين رئيس وزراء انجلترا بمنع ملكه ادوارد الثامن من الزواج من أرملة أمريكية تدعى واليس سيمبسون.  و لا زال الفقه الدستورى يردد تلك الجملة الشهيرة لستانلى بلدوين: " إذا كان من حق الملك اختيار زوجته، فمن حق الشعب الانجليزى اختيار ملكته". و انتهى الامر باضطرار الملك ان يتنحى عن العرش.من أجل الديمقراطية، شهدت كل من انجلترا و فرنسا ازمات طاحنة، كادت ان تعصف بكل منهما، و لكن فى نهاية الامر تولد ما نراه لدينا الان؛ قوتين عظمتين لهما مقعدين دائمين فى مجلس الامن. 
وبالنظر الى أوروبا، لوجدنا ان دولها التى قررت وضع دساتير لها فى ثلاثينيات القرن المنصرماضطرت دخول اكبر حرب شهدتها التاريخ. و لكن ما نراه امامنا الان هو القارة الاكثر رقيا فى العالم.
و لو اردنا ان نذهب بالنظر بعيدأ حيث قيام الديمقراطية فى الولايات المتحدة، لوجدنا جسراً تملأه الدماء لم يتوقف الا فى بدايات القرن العشرين.  فالولايات المتحدة دخلت فى حربها الشهيرة ضد بريطانيا و انفصلت عنها. فمشكلة الولايات المتحدة لم تكن فى الشرعية فقط، بل انها لم تعترف بمبدأ السيادة نفسه. فالولايات المتحدة كانت جزء اصيل من المملكة المتحدة و التى حارب اباء امريكا المنشئون تحت لواء ملكتها و باسمها. و ما كانت لتتولد فى نفوس هؤلاء المحاربون روح انتماء لكيان لم يكن موجوداً انذاك؛ الا انهم ارادوا الانفصال عن وطنهم الام الذى لطالما انتموا لجيشه.  و لم يتولى الحكم مدنيين، بل تولاه رجل عسكرى كان يعمل فى قوات الملكة و هو جورج واشنطن. و تم اتهام الكثيرين بالخيانة فى تلك الفترة.و لم تكتف الولايات المتحدة بذلك، بل استمرت الاضطرابات و حالة عدم الاستقرار الى ما يقرب من مائة عام.و حينها انفجر الوضع تماماً. فقامت حرباً طاحنة شملت نصف القارة بأكمله. انقسمت امريكا الى شمال ليبرالى اراد تحرير العبيد و اعادة توزيع الثروة، و جنوب شديد العنف
و الارهاب فى محافظته أبى الا ان تبقى العبودية و رفض اى مساس بحالة الاسواق و اى تعرض للثروات المكدسة فى أيدى القلة.  أدت تلك الحالة النادرة من البربرية الى قتل الرئيس الامريكى ابراهام لنكولن. و حتى الان لا يوجد رأى موحد فى الولايات المتحدة حول السبب الرئيسى وراء هذه الحرب. ولا تزال آثار جراح هذه الحرب ظاهرة معالمها فى جسد الولايات المتحدة.  فالحزب الديموقراطى يتركز غالبية انصاره فى الشمال الليبرالى، اما الحزب الجمهورى فله تأييد كاسح فى الجنوب المحافظ.  و العادات و التقاليد الامريكية تتباين بشكل واضح بين ولايات الجنوب و ولايات الشمال.  حتى أنه فى بداية حكم أوباما اشتعلت شرارة هذه الازمة من جديد. و فوجئ البعض بأصوات تنادى باستقلال بعض الولايات بسبب وجود أوباما ذو البشرة السمراء فى البيت الابيض.
 
ان قيام الديمقراطية يرادفه مرحلة من التصادم و عدم الاستقرار.  و لقد شهدت معظم الثورات التهاب الوضع ليصل الى حد التخوين و الاستعداء؛ و هو ما دفع الكثير من الثورات الى الوقوع فى حروب أهلية.  فكل طرف يريد اقصاء الاخر خارج الساحة السياسية.  و لعل سبب التخوين يرجع بالاساس الى حقيقة ثابتة فى تاريخ معظم الثورات، و هى ان معظم هذه الثورات قامت بإيحاء و تأثر بعوامل أجنبية. فالثورة البلشفية تأثرت بالمفكرين فى الجارة المانيا و قامت على انقاض ثورة اخرى قادتها الحركة البيضاء. فالحركة البيضاء هى متزعمة الثورة الاصلية التى أطاحت بقيصر روسيا و التى تزعمها جورجو لافوف. انتهت الثورة بحرب اهلية بين البيض الليبراليين و الحمر الشيوعيين.
 و الثورة الامريكية قامت لمجابهة الضرائب التى كان تفرضها حكومة المملكة البريطانية. و قام الفرنسيون بمساندة جورج واشنطن فى ثورته بغية انهاك قوى بريطانيا. فانحاز التجار لبريطانيا التى كانت تمتلك المال انذاك لشراء احتياجاتها بأعلى الاثمان. و رفضوا تأييد الثوار الذين ارادوا تغيير سعر السوق ووضع سقف لسعر السلع حتى يتمكنوا من شرائها.  نتج عن ذلك أن نشأ فى الولايات المتحدة اتجاه ليبرالى لا يرى غضاضة فى التدخل من اجل تغيير سعر السوق حتى يتناسب مع امكانات غير القادرين, و اخر محافظ يرفض اى تدخل من أى نوع.
 الأمر نفسه حدث ابان قيلم الدول الدستورية فى اوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. لقد كانت كلها برعاية أمريكية. بل ان دول اوروبا الغربية كاملة اعيد بنائها من قبل الولايات المتحدة الامريكية فيما عرف بخطة مارشال.  بل انه لو نظرنا الى ما هو اقرب من ذلك؛ الى الثورات المصرية  السابقة؛ لوجدنا الكثير منها قد تأثر بعوامل خارجية. فمطلب ثورة عرابى الرئيس كان انشاء برلمان ووضع دستور كالمتعامل بهما فى الدول الاوروبية انذاك. و ثورة 1919 كانت قد تأثرت الى حد كبير باعلان ويلسون (الرئيس الامريكى السابق) الخاص بحق تقرير المصير للدول تحت الانتداب و التى كان من ضمنها مصر.
فبعد هذه النبذة المطولة عبر تاريخ اشهر الثورات فى العصر الحديث، اطلب منك عزيزى القارئ ان تضع هذه الظروف فى خاطرك و أن تنظر الى وضع ثورتنا المصرية. سوف تجد لشعارات ثورة ال25 من يناير مكاناً محجوزاً فى المظاهرات المندلعة حالياً فى أماكن شتى من العالم و المتأثرة بالثورة المصرية. قارن ثورتنا بالثورات الاخرى و اسئل نفسك الاسئلة التالية: هل فعلا كانت الثورة وبالا علينا؟ هل انقسمت مصر؟ هل ضاعت؟ هل كانت هناك عوامل غير حب مصر و كراهيتنا لظلم نظام مبارك هى التى دفعتنا لكى نقوم بثورتنا؟ هل كانت هناك عوامل اجنبية فى وضع كان هادئ و مستقر؟ هل تأثرنا بالغير أم أننا بدأنا نؤثر فى الغير؟
بعد اجابتك على الاسئلة، هناك أمر واحد عليك القيام به: افتخر انت مصرى و هذه الثورة ثورتك انت!
·         كاتب المقال: طالب دراسات عليا  في الحقوق بالولايات المتحدة الأمريكية .