رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مصري يتحدى الاعاقة في أمريكا"3"

أحمد جمال عبد العزيز

الثلاثاء, 12 يوليو 2011 09:50
بقلم: أحمد جمال عبد العزيز

في رحلتي للولايات المتحدة،  اكتشفت أن السياسة   في الولايات المتحدة هي الاقتصاد.على عكس ما يعتقد الكثيرون- و منهم من كانوا فى مناصب عليا للأسف- بأن امريكا هو اقتصاد حر تصل حريته الى درجة الانحلال بحيث تستطيع فعل أى شئ فى أى وقت و دون أية رقابة، فإن ذلك أبعد ما يكون عن اكبر اقتصاد عالمى. فالولايات المتحدة و إن كانت سوق شاسعة مترامية الاطراق و مفتوحة من شتى الجوانب، الا ان هذا السوق المفتاح من جميع جنباته تحوطه بقبضة حديدية يد متغلغلة تتسرب الى اعماق الاعماق لتصل الى ادق الحسابات فى ملفات اصغر شركة أمريكية- بل و غير أمريكية- هذه اليد الحديدية هى الحكومة الاتحادية (الفيدرالية).  فهذا السوق الطليق هو فى واقع الامر سوق محاط بيد من حديد، لا يتسرب شئ الى داخله الا و علم مصدره.  فالاحتياطى الفيدرالى هو الذى يضع السياسة المالية للبلاد، و معدلات الفائدة. و الادارة الامريكية لها من السلطات ما يمكنها ان تلغى نشاط اقتصادى معين إبان الحروب دون أدنى تعويض. تجارتهم مفتوحة الا انها مراقبة: لدرجة تسمح للحكومة ان تمنع أى عملية تجارية اذا كانت ذاهبة لشخص غير مرغوب فيه. و يكفى انهم منعوا عالم رياضة من الحديث عن برنامج ابتكره, و منعوه من السفر خارج الولايات المتحدة دون إذن لمجرد أن فكرته من الممكن استخدامها لنقل المعلومات عبر القوات المسلحة.  و الاقتصاد الامريكى ليست غايته ان تتوافر فى نهاية السنة المالية تجارة رائجة عبر الدول، او اشكال عدى من الشركات للدلالة على التنوع و التحرر كما يعتقد البعض لدينا، و لكن هدفهم الاسمى هو ان تتوافر نهاية العام موازنة عامة تكون الصادرات فيها أعلى من الواردات. فالعولمة و النظام المالى العالمى الجديد و اشكال الشركات المختلفة التى تظهرها لنا السوق الامريكية كل فترة بعد موافقة القضاء، هى كلها قد ابتكرت من اجل هدف واحد فقط, و هى ان تدعم التاجر الامريكى حتى تكون صادراته أعلى من وارداته. ربما يكون هذا التاجر قليل العلم و الخبرة؛ الا ان النظام هناك يدفعه دفع نحو مصلحة تلوح له فى افق طريق قد تم تمهيده له.

هذا النظام لا ييقبل صفات معينة أو قدرات خاصة؛ فقط كل ما عليك هو ان تكون امريكياً حتى تنجح.  فمثلاً عماد خطة الانقاذ الاقتصادى اتى وضعها أوباما للتصدى للازمة العالمية كان ببساطة دعم المشروعات الصغير مهما كانت تافهة.  لقد رأيت ذلك بأم عينى؛ فنساء لا يملكن علم أو حسب أو نسب دعمتهم الادارة الامريكية فى مشروعهم الذى قد يتهمه الكثيرون بأنه تافه- كبيع علب المخلل مثلاً، او القماش او تعلم حرفة، الا ان هذه الصناعات بدأت تزدهر فى عامين اثنين فقط- و هى فترة حكم اوباما الذى وضع الخطة- فبائعة المخلل مثلاً اصبحتتمتلك مطعماً صغيراً يقدم اللحم المشوى، و بائعة القماش أصبح لها بوتيك صغير؛ صناعات صغيرة فى مختلف أنحاء أمريكا وعد أوباما بدعمها حتى تصبح فى خلال أعوام قليلة مشاريع متوسطة أو كبيرة يقوم عليها الاقتصاد الامريكى من جديد. (كان ذلك فى الوقت الذى وضع فيه يوسف بطرس غالى نظاماً فى مصر لا يسمح بدعم المشاريع البدائية فى مصر الا اذا كانت تمتلك رأسمال لا يقل عى 100 الف جنيه!) و فى تلك الاثناء تقوم الادارة من ناحية أخرى بتأميم المشاريع العملاقة التى اجتاحها الفساد- رغم أن التأميم ضد كيان أمريكا و ليس فقط نظامها العام- خاصة وأنه لم توجد أدلة ادانة كافية ضد من افسدوا حتى يتاح لأوباما تأميم تلك المشاريع. الا انه فى مفترق الطرق يجب تغليب بقاء الدولة على جمود القاعدة التشريعية.  فأمريكا بخططها هذه لا تخالف فقط قوانينها الداخلية، بل تخالف النظام الاقتصادى العالمى الذى وضعته امريكا بنفسها: متمثلاً فى منظمة التجارة العالمية و صندوق النقد الدولى، خاصة فيما يتعلق بالامتناع عن اغراق الدول الاخرى بالسلع و الامتناع عن دعم الصناعات المحلية. و لكن أمريكا تدرك ان قوانينها الداخلية قد وضعت بطريقة يمكن تفسيرها لمصلحة بقاء الدولة. كما أنها تقوم بدفع
مبالغ التعويض للدول المضرورة نتيجة المخالفات التى تترتب على تنفيذها لخطة الاصلاح الاقتصادى.

خلاصة الامر، إن الاقتصاد الامريكى يكاد يكون أكثر احكاماً من الاقتصاد السوفيتتى المنهار؛ الا ان سجانوه عاهدوا انفسهم الا يقبضوا عليه الا بموجب الشرعية، و يساعدهم فى ذلك قضاء فريد، واسع الافق، يعلم ان عوامل عدة يجب الاخذ بها قبل النطق بأى حكم قضائى؛ فسياسة الدولة و أمنها الاجتماعى و اقتصادها و الرأى العام و النظام العام كلها عوامل يضعها القاضى الامريكى نصب عينه قبل اللجوء للنص القانونى. فالقاضى الامريكى ليس حبيس القاعدة القانونية الجامدة. فيكفى أن هناك قاض فيدرالى شهير جداً تنفر منه امريكا بأسرها و يدعى القاضى اسكاليا، ذلك لتمسكه بالاصل التاريخى للنص التشريعى مهما كانت الظروف؛ فلولا التأمين الوظيفى من العزل مدى الحياة الذى يتمتع به القاضى الفيدرالى، لسقط هذا القاضى من سنين. و على العكس من ذلك، فإن القانونيين الامريكان يعشقون القاضى الانجليزى الشهير اللورد دينينج، رغم نفورهم من الانجليز بصفة عامة، ذلك لأنه هو صاحب المدرسة القانونية الشهيرة بأنه عليك أن ترى العدل ببصيرتك ثم تقوم بتفسير القاعدة القانونية كى تنتصر لهذا العدل، و إلا فلا حاجة للقاعدة القانونية من الاساس.

هذا هو باختصار ما رأيته فى أمريكا و اردت ان آخذ القارئ معى فى رحله كى نستكشفه سوياً: فعلى عكس ما يظن البعض أن امريكا هى دولة برجماتية ليبرالية تقبل أى شئ مهما كان من أجل مصلحتها؛ فإن واقع العمق الامريكى يثبت أن هذا الشعب متمسك بمبادئ لا يستطيع الحيد عنها؛ ذلك لأنهبالاساس لا يملك من المهارات و القدرات ما يمكنه من مجابهة مجهول فى كل يوم جديد.  لقد وضع الامريكان نظاماً يجعلهم متمسكين بهذه المبادئ لدرجة شديدة حتى أنهم فرضوا الكثير من هذه المبادئ على العالم أجمع و ليس على أنفسهم فقط. فالنظريات التى تصدرها لنا الولايات المتحدة و الصورة التى تصورها لنا هى فى حقيقة الامر صورة مخالفة لكل ما يؤمن به الامريكان.

و بصرف النظر عن أية صور أو نظريات أو حسابات، تبقى هناك حقيقة لا فرار منها، و هى أن الشعب المصرى اشد ذكاءاً و قدرة و مهاؤة من الشعب الامريكى، و يستطيع أن يصنع ما لا يتخيله حتى اخوف الامم منه. الا اننا ينقصنا النظام و الثقة بأنفسنا، إضافة الىتشككنامن قيمنا (و هو ما صدره لنا النظام المخلوع).  فبدون نظام و ثقة تخر قواك. و بدون مبادئ و قيم لن تعمل من الاساس.  لا اجد ما اختتم به رحلتى الا ما قاله لى موظف الحالات الخاصة حيى وصولى فى العاشرة مساءاً (و هو موعد وصول الطائرة) " والله يا فندم حضرتك احنا مستنيين الطيارة دى من الساعة سبعة و نص!!!"