الموت ورقاب الجبابرة

أحمد ابوزيد

الثلاثاء, 04 يناير 2011 17:57
بقلم :أحمد أبوزيد

مازلنا مع كتاب‮ »‬التبر المسبوك في نصيحة الملوك‮« ‬لحجة الإسلام أبوحامد الغزالي،‮ ‬ذلك الكتاب الرائق الذي جمع فيه الغزالي قدرا كبيرا من نصائح الملوك والسلاطين،‮ ‬والتي جاءت علي لسانه،‮ ‬أو علي لسان‮ ‬غيره من العلماء الذين خالطوا الحكام والولاة في مختلف العصور ونصحوا لهم‮.‬

يقول الغزالي‮: ‬روي أبوهريرة أن النبي صلي الله عليه وسلم قال‮: »‬يا أبا هريرة أتريد أن أريك الدنيا‮.. ‬قلت‮: ‬نعم يا رسول الله‮.. ‬فأخذ بيدي وانطلق حتي وقف بي علي مزبلة فيها رؤوس الآدميين وبقايا عظام نخرة وخرق قد تمزقت وتلوثت بنجاسات الآدميين‮.. ‬فقال‮: ‬يا أبا هريرة هذه الرؤوس التي تراها كانت مثل رؤوسكم مملوءة من الحرص والاجتهاد علي جمع الدنيا‮.. ‬كانوا يرجون من طول الأعمار ما ترجون،‮ ‬وكانوا يجدون في جمع المال وعمارة الدنيا كما تجدون،‮ ‬فاليوم قد تغيرت عظامهم وتلاشت أجسامهم كما تري،‮ ‬وهذه الخرق كانت أثوابهم التي كانوا يتزينون بها وقت الرعونة والتجمل والتزين،‮ ‬قد ألقتها الريح في النجاسات،‮ ‬وهذه النجاسات كانت أطعمتهم اللذيذة التي كانوا يحتالون في تحصيلها وينهبها بعضهم من بعض،‮ ‬قد ألقوها عنهم بهذه الفضيحة التي لا يقربها أحد من نتنها،‮ ‬فهذه جملة أحوال الدنيا كما تشاهد وتري،‮ ‬فمن أراد أن يبكي علي الدنيا فليبكِ‮ ‬فإنها موضع البكاء‮.. ‬قال أبو هريرة‮.. ‬فبكي جملة الحاضرين‮«.‬

وقال يزيد الرقاشي‮: ‬كان في زمن بني إسرائيل جبار من الجبابرة،‮ ‬وكان في بعض الأيام جالساً‮ ‬علي سرير ملكه،‮ ‬فرأي رجلاً‮ ‬قد دخل من باب الدار،‮ ‬ذا صورة منكرة،‮ ‬وهيئة هائلة،‮ ‬فلشدة خوفه من

هجومه وهيبة قدومه وثب في وجهه وقال‮: ‬من أنت أيها الرجل ومن أمرك بالدخول إلي داري‮.. ‬فقال‮: ‬صاحب الدار وأنا الذي لا يحجبني حاجب،‮ ‬ولا أحتاج في دخولي علي ملك إلي إذن،‮ ‬ولا أرهب من سياسة سلطان،‮ ‬ولا يفزعني جبار ولا لأحد من قبضتي فرار‮.‬

فلما سمع هذا الكلام خر علي وجهه،‮ ‬ووقعت الرعدة في جسده فقال له‮: ‬أنت ملك الموت‮.. ‬قال‮: ‬نعم‮.‬

قال‮: ‬أقسم بالله عليك ألا ما أمهلتني يوماً‮ ‬واحداً‮ ‬لأتوب من ذنبي،‮ ‬وأطلب العذر من ربي،‮ ‬وأرد الأموال التي أودعتها خزانتي،‮ ‬فلا أتحمل مشقة عذابها في الآخرة‮.‬

فقال‮: ‬كيف أمهلك وأيام عمرك محسوبة،‮ ‬وأوقاته مثبوتة مكتوبة‮.. ‬فقال‮:‬‭ ‬أمهلني ساعة‮.‬

فقال‮: ‬إن الساعات في الحساب،‮ ‬وقد عبرت،‮ ‬وأنت‮ ‬غافل،‮ ‬وقد استوفيت أنفاسك،‮ ‬ولم يبق لك نفس واحد‮.‬

فقال‮: ‬من يكون عندي إذا نقلتني إلي لحدي‮.. ‬قال‮: ‬لا يكون عندك سوي عملك‮.. ‬فقال‮: ‬مالي عمل‮.‬

قال‮: ‬ثم قبض روحه فخر من سريره ووقع،‮ ‬وعلا الضجيج من أجل مملكته وارتفع،‮ ‬ولو علموا ما يصير إليه من سخط ربه لكان بكاؤهم أكثر وعويلهم أوفر‮.‬

وروي أنه كان ملك كثير المال،‮ ‬قد جمع مالاً‮ ‬عظيماً‮ ‬من كل نوع خلقه الله تعالي من متاع الدنيا،‮ ‬ليرفّه نفسه ويتفرغ‮ ‬لأكل ما جمعه،‮ ‬فجمع نعماً‮ ‬طائلة،‮ ‬وبني قصراً‮ ‬عالياً‮ ‬مرتفعاً‮ ‬سامياً،‮ ‬يصلح للملوك والأمراء والأكابر والعظماء،‮

‬وركّب عليه بابين محكمين،‮ ‬وأقام عليه الغلمان الأجلاد والحرسة والأجناد والبوابين كما أراد‮.‬

وأمر ببعض الأيام أن يصطنع له من أطيب الطعام،‮ ‬وجمع أهل مملكته وحشمه وأصحابه وخدمه،‮ ‬ليأكلوا عنده وينالوا رفده،‮ ‬وجلس علي سرير مملكته واتكأ عل وسادته وقال‮: ‬يا نفس قد جمعت نعم الدنيا بأسرها،‮ ‬فالآن أفرغي بالك وكلي هذه النعم مهنأة بالعمر الطويل والحظ الجزيل‮.‬

فلم يفرغ‮ ‬مما حدث به نفسه حتي أتي رجل من ظاهر القصر عليه ثياب رثة خلقة ومخلاته في عنقه معلقة علي هيئة سائل يسأل الطعام،‮ ‬فجاء وطرق الباب طرقة عظيمة هائلة بحيث تزعزع القصر وتزلزل،‮ ‬وخاف الغلمان ووثبوا إلي الباب وصاحوا بالطارق وقالوا‮: ‬يا ضعيف ما هذا الحرص وسوء الأدب اصبر حتي نأكل ونطعمك مما يفضل‮.. ‬فقال لهم‮: ‬قولوا لصاحبكم ليخرج إلي فلي إليه شغل مهم وأمر ملم‮.‬

فقالوا‮: ‬تنح أيها الضعيف،‮ ‬من أنت حتي تأمر صاحبنا بالخروج إليك فقال‮:‬‭ ‬أنتم عرّفوه ما ذكرت،‮ ‬فلما عرّفوه من الطرقة الأولي نهضوا من أماكنهم بالعصي والسلاح،‮ ‬وقصدوه ليحاربوا فصاح بهم صيحة وقال‮: ‬الزموا أماكنكم فأنا ملك الموت فارتعدت فرائضهم وبطلت عن الحركة جوارحهم ورعبت قلوبهم وطاشت عقولهم فقال الملك‮: ‬قولوا له ليأخذ بدلاً‮ ‬مني وعوضاً‮ ‬عني‮.. ‬فقال‮: ‬ما آخذ إلا أنت ولا أتيت إلا لأجلك،‮ ‬لأفرق بينك وبين هذه النعم التي خولتها‮.‬

فقال‮: ‬لعن الله هذا المال الذي‮ ‬غرني وأضرني ومنعني عن عبادة ربي،‮ ‬وكنت أظن أنه ينفعني،‮ ‬فاليوم صار حسرتي وبلائي وخرجت صفر اليدين منه وبقي لأعدائي‮.‬

فأنطق الله المال حتي قال‮: ‬لأي شيء تلعنني العن نفسك فإن الله تعالي خلقني وإياك من تراب وجعلني في يدك لتتزود بي إلي آخرتك،‮ ‬وتتصدّق بي علي الفقراء،‮ ‬وتتزكي بي علي الضعفاء،‮ ‬ولتعمر بي الربط والمساجد والجسور والقناطر،‮ ‬لأكون لك عوناً‮ ‬في اليوم الآخر،‮ ‬وأنت جمعتني وخزنتني،‮ ‬وفي هواك أنفقتني،‮ ‬ولم تشكر حقي بل كفرتني،‮ ‬فالآن تركتني لأعدائك،‮ ‬وأنت بحسرتك وضرائك‮.. ‬فأي ذنب لي حتي تلعني‮.‬

[email protected]