لوجه الله

حاجة الشعب إلي الإمام العادل

أحمد ابوزيد

الأربعاء, 17 أغسطس 2011 10:20
بقلم :أحمد أبوزيد

حاجة الناس اليوم إلي الإمام العادل في كل دولة ووزارة وهيئة ومؤسسة ومصنع وبيت، وبالأخص رئيس الدولة أشد من حاجتهم إلي الطعام والشراب والماء والهواء، خاصة أن الظلم والجور قد ساد في السنوات الأخيرة، وانتشر كالنار في الهشيم في ظل النظام البائد الذي دك الله أركانه علي أيدي ثوار يناير، وأذل رموزه ونقلهم من سعة القصور إلي ضيق السجون،

ومن الجاه والسلطان إلي ساحة العدل والقضاء خلف الأسوار الحديدية لكي يحاسبوا ويحاكموا على جرائمهم التي ارتكبوها عبر ثلاثين سنة في حق الشعب المصري وأمواله وثرواته، ومعروف أن دولة العدل مكتوب لها البقاء، حتي ولو كانت كافرة، ودولة الظلم مكتوب لها الفناء، حتي ولو كانت مسلمة، فالله سبحانه حرم الظلم علي نفسه وجعله بين الناس محرماً.

وأمامنا رسالة بعث بها الخليفة الورع الزاهد عمر بن عبدالعزيز، بعد أن تولي الخلافة، إلي الحسن البصري يطلب منه فيها أن يوافيه بصفات الإمام العادل، فإذا بالحسن البصري يكتب إليه رسالة بليغة، ناصحاً مخلصاً، يفصل له صفات الحاكم العادل تفصيلاً دقيقاً، وهي رسالة تصلح لأن تكون دستوراً للحكم، ولسلوك الحاكم ومنهجه في كل زمان ومكان.. فماذا قال البصري؟

قال رحمه الله: اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف.

والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق علي إبله،

الرفيق بها، الذي يرتاد لها أطيب المراعي، ويذودها عن مراتع الهلكة، ويحميها من السباع، ويكنها من أذي الحر والقر.

والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني علي ولده، يسعي لهم صغاراً، ويعلمهم كباراً، يكتسب لهم في حياته، ويدخر لهم بعد مماته.. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها، حملته كرهاً ووضعته كرهاً، وربته طفلاً تسهر بسهره وتسكن بسكونه، ترضعه تارة، وتفطمه أخري، وتفرح بعافيته، وتغتم بشكايته.

والإمام العدل يا أمير المؤمنين وصي اليتامي، وخازن المساكين، يربي صغيرهم، ويمون كبيرهم. وهو كالقلب بين الجوارح، تصلح الجوارح بصلاحه، وتفسد بفساده، وهو القائم بين الله وبين عباده يسمع كلام الله ويسمعهم وينظر إلي الله ويريهم وينقاد إلي الله ويقودهم.

فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله عز وجل، كعبد ائتمنه سيده، واستحفظه ماله وعياله، فبدد المال وشرد العيال، فأفقر أهله وفرق ماله.

واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش فكيف إذا أتاها من يليها!، وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم!، واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده، وقلة أشاعك عنده وأنصارك عليه، فتزود له ولما بعده من الفزع الأكبر.. واعلم

أن لك منزلاً (القبر) غير منزلك الذي أنت فيه يطول فيه ثواؤك ويفارقك أحباؤك يسلمونك في قعره فريداً وحيداً.. فتزود له ما يصحبك يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه. واذكر يا أمير المؤمنين «إذا بعثر ما في القبور. وحصل ما في الصدور» فالأسرار ظاهرة والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

فالآن يا أمير المؤمنين وأنت ممهل قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل.. لا تحكم في عباد الله بحكم الجاهلين، ولا تسلك بهم سبيل الظالمين، ولا تسلط المستكبرين علي المستضعفين، فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، فتبوء بأوزارك مع أوزارك وتحمل أثقالك مع أثقالك.

ولا يغرنك الذين يتنعمون بما فيه بؤسك، ويأكلون الطيبات في دنياهم بإذهاب طيباتك في آخرتك.. ولا تنظر إلي قدرتك اليوم، ولكن انظر إلي قدرتك غداً، وأنت مأسور في حبائل الموت، وموقوف بين يدي الله في مجمع من الملائكة والنبيين والمرسلين، وقد عنت الوجوه للحي القيوم.

وإني يا أمير المؤمنين وإن لم أبلغ بعظتي ما بلغه أولو النهي من قبلي، فلم آلك شفقة ونصحاً، فأنزل كتابي إليك كمداوي حبيبه، يسقيه الأدوية الكريهة، لما يرجو له في ذلك من العافية والصحة. والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.

انتهت رسالة البصري، وهي واضحة وضوح الشمس في عنان السماء، ولا تحتاج منا إلي أدني توضيح، وليت ولاة أمورنا يتعلمون منها، ويجعلونها دستوراً لهم، ويقتدون بهذا الخليفة العادل الزاهد عمر بن عبدالعزيز، الذي كان يستنصح العلماء فينصحوه، حتي لا تزل به القدم، وهو يتولي شئون المسلمين، وقد اشتهر عصره بالعدل والرحمة والرخاء والنماء، حتي إنه جمع زكاة المسلمين، ولم يجد فقيراً يأخذها، فبعث في الناس من ينادي علي الشباب المحتاجين للزواج لكي يزوجهم، وعلي المدينين المتعثرين في سداد ديونهم لكي يسد عنهم.

[email protected]