رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

بين العلماء والسلاطين نصائح ومواعظ

أحمد ابوزيد

الثلاثاء, 28 ديسمبر 2010 18:34
بقلم: أحمد أبوزيد

كتاب‮ »‬التبر المسبوك في نصيحة الملوك‮« ‬لحجة الإسلام أبوحامد الغزالي من الكتب الرائقة،‮ ‬فقد جمع فيه الغزالي قدرا كبيرا من نصائح الملوك والسلاطين،‮ ‬التي جاءت علي لسانه،‮ ‬أو علي لسان‮ ‬غيره من العلماء الذين خالطوا الحكام والولاة ونصحوا لهم‮.‬

 

يقول الغزالي‮: ‬أيها السلطان خطر الولاية عظيم،‮ ‬وخطبها جسيم،‮ ‬والشرح في ذلك طويل،‮ ‬ولا يسلم الوالي الا بمقارنة علماء الدين،‮ ‬ليعلموه طرق العدل،‮ ‬ويسهلوا عليه خطر هذا الأمر‮.‬

فيجب علي السلطان أن يشتاق أبداً‮ ‬إلي رؤية العلماء،‮ ‬ويحرص علي استماع نصحهم،‮ ‬وأن يحذر من علماء السوء الذين يحرصون علي الدنيا،‮ ‬فإنهم يثنون عليك ويغرونك ويطلبون رضاك،‮ ‬طمعاً‮ ‬فيما في يديك من خبث الحطام ووبيل الحرام ليحصلوا منه شيئاً‮ ‬بالمكر والحيل‮.. ‬والعالم هو الذي لا يطمع فيما عندك من المال وينصفك في الوعظ والمقال‮.‬

فقد دخل شقيق البلخي علي هارون الرشيد فقال له‮: ‬أنت شقيق الزاهد فقال‮: ‬أنا شقيق،‮ ‬ولست بزاهد‮.. ‬فقال له‮: ‬أوصني‮.‬

فقال شقيق‮: ‬إن الله تعالي قد أجلسك مكان الصديق،‮ ‬وأنه يطلب منك مثل صدقه،‮ ‬وأنه أعطاك موضع عمر بن الخطاب الفاروق وأنه يطلب منك الفرق بين الحق والباطل مثله،‮ ‬وأنه أقعدك موضع عثمان بن عفان

ذي النورين وهو يطلب منك مثل حيائه وكرمه،‮ ‬وأعطاك موضع علي بن أبي طالب وهو يطلب منك مثل العلم والعدل كما يطلب منه‮.‬

فقال له‮: ‬زدني من وصيتك‮.‬

فقال‮: ‬اعلم أن لله تعالي داراً‮ ‬تعرف بجهنم،‮ ‬وأنه قد جعلك بواب تلك الدار،‮ ‬وأعطاك ثلاثة أشياء‮: ‬بيت المال والسوط والسيف،‮ ‬وأمرك أن تمنع الخلق من دخول النار بهذه الثلاثة،‮ ‬فمن جاء محتاجاً‮ ‬فلا تمنعه من بيت المال،‮ ‬ومن خالف أمر ربه فأدبه بالسوط،‮ ‬ومن قتل نفساً‮ ‬بغير حق فاقتله بالسيف،‮ ‬بإذن ولي المقتول،‮ ‬فإن لم تفعل ما أمرك فأنت الزعيم لأهل النار والمتقدم إلي البوار‮.‬

وخرج هارون الرشيد والعباس‮ (‬أحد جلساء هارون وليس العباس بن عبد المطلب‮)‬،‮ ‬ليلاً‮ ‬لزيارة الفضيل بن عياض،‮ ‬فلما وصلا إلي بابه وجداه يتلو هذه الآية‮: »‬أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن تجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات‮«‬‭ ‬فقال هارون‮: ‬إن كنا جئنا للموعظة فكفي بهذه موعظة‮.‬

ثم أمر العباس أن يطرق عليه الباب فطرق بابه فقال‮: ‬افتح الباب لأمير المؤمنين‮.‬

فقال الفضيل‮: ‬ما يصنع عندي أمير المؤمنين‮.. ‬فقال‮: ‬أطِع أمير المؤمنين وافتح الباب‮.‬

وكان ليلاً‮ ‬والمصباح يتقد فأطفأه وفتح الباب فدخل الرشيد،‮ ‬وجعل يطوف بيده ليصافح بها الفضيل،‮ ‬فلما وقعت يده عليه قال الفضيل‮: ‬الويل لهذه اليد الناعمة إن لم تنج من العذاب في القيامة‮.‬

ثم قال له‮: ‬يا أمير المؤمنين استعد لجواب الله تعالي فإنه يوقفك مع كل مسلم علي حدة يطلب منك إنصافك إياه‮.. ‬فبكي هارون الرشيد بكاء شديداً‮ ‬وضمه إلي صدره‮.‬

فقال له العباس‮:‬‭ ‬مهلاً‮ ‬فقد قتلته‮..‬‭ ‬فقال الرشيد للعباس‮: ‬ما جعلك هامان إلا وجعلني فرعون‮.. ‬ثم وضع الرشيد بين يديه ألف دينار وقال له‮: ‬هذه من وجه حلال من صداق أمي وميراثها‮.‬

فقال له الفضيل‮: ‬أنا آمرك أن ترفع يديك عما فيها وتعود إلي خالقك،‮ ‬وأنت تلقيه إلي‮.. ‬فلم يقبلها‮.‬

وحضر بعض الزهاد بين يدي خليفة عباسي فقال له‮: ‬عظني‮.. ‬فقال‮: ‬يا أمير المؤمنين إني سافرت الصين،‮ ‬وكان ملك الصين قد أصابه الصمم وذهب سمعه،‮ ‬فسمعته يقول يوماً‮ ‬وهو يبكي‮: ‬والله ما أبكي لزوال سمعي،‮ ‬وإنما أبكي لمظلوم يقف ببابي يستغيث فلا أسمع استغاثته،‮ ‬ولكن الشكر لله إذ بصري سالم‮.‬

وأمر منادياً‮ ‬ينادي ألا كل من كانت له مظلمة فليلبس ثوباً‮ ‬أحمر‮.. ‬فكان يركب الفيل،‮ ‬فكل من رأي عليه ثوباً‮ ‬أحمر دعاه ونظر في شكواه وأنصفه من خصمائه‮.‬

فانظر يا أمير المؤمنين إلي شفقة ذلك الكافر علي عباد الله،‮ ‬وأنت مؤمن من أهل بيت النبوة،‮ ‬فانظر كيف تريد أن تكون شفقتك علي رعيتك‮.‬

‮ ‬[email protected]