رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

لوجه الله

المادة الثانية والأقباط.. حتي يفهم الجمل وغيره

أحمد ابوزيد

الأربعاء, 30 مارس 2011 07:34
بقلم : أحمد أبوزيد

 

يبدو أن الدكتور يحيي الجمل نائب رئيس الوزراء، وهو الفقيه الدستوري، الذي يحفظ القرآن الكريم، كما صرح مؤخراً، لا يعي حتي اليوم مفهوم عقد الذمة في الإسلام، وموقف الشريعة الإسلامية من أهل الكتاب، وما لغير المسلمين من حظ عظيم في الإسلام وشريعته.

فقد استغربت من تصريحاته في برنامج »مصر النهاردة«، يوم 22 مارس، عندما قال إنه اتفق مع البابا شنودة خلال لقائه به علي عدم المساس بالمادة الثانية من الدستور، مشيراً إلي إمكانية إجراء تعديل بالمادة الثانية في الإعلان الدستوري، بإزالة حرف الألف واللام، بحيث تصبح المادة كالتالي »الإسلام مصدر رئيسي للتشريع«، وتضاف إليه المادة الخاصة بأن لكل أقلية الأحقية في الاحتفاظ بشريعتها، ومادة أخري لها علاقة بالأحوال الشخصية لأصحاب الديانات الأخري.

وقد جاء هذا الكلام بخصوص المادة الثانية بعد أن نقل الأنبا بسنتي أسقف حلوان والمعصرة للدكتور يحيي الجمل، رغبة البابا شنودة بضرورة تعديل المادة الثانية من الدستور التي تنص علي أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع، وذلك بإضافة جملة تؤكد أن لكل »أقلية« أن تحتفظ بشرائعها.

وأنا هنا لا ألوم البابا شنودة وسائر أقباط مصر في طلبهم، فهو طلب في رأيي مشروع، وأنا شخصياً أؤيده، شريطة ألا نقترب من نص المادة الثانية بصياغتها الحالية، ولو بإزالة حرف واحد، فتظل المادة تنص علي أن »الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع«.. ولكني ألوم الدكتور يحيي الجمل علي أمرين بخصوص تصريحاته التي تتعلق بالمادة الثانية من الدستور:

الأمر الأول: أنه، وهو الفقيه الدستوري ورجل القانون والذي يحفظ القرآن، لا يدرك حتي اليوم، أن الشريعة الإسلامية عندما تكون مصدر التشريع، فإنما ذلك يعني ضمنا، وطبقا لعقد الذمة الذي يوجبه الإسلام لأهل الكتاب الذين

يعيشون في ظل الدولة الإسلامية، أن تتوفر لهم حرية العقيدة، ويحكموا بشريعتهم، وألا يتعرضوا لأي إيذاء أو قهر من المسلمين.

إذن فالمادة الثانية بوضعها الحالي تكفل للأقباط ما يطلبونه من حقوق دستورية، بل وتضمنها لهم ضماناً موثقاً، لا يملك فرد أو هيئة أو نظام التلاعب به، وأنا هنا أحتكم إلي الإسلام وشريعته كحجة، بغض النظر عن تصرفات وسفاهات بعض المسلمين الذين يخالفون الإسلام ويثيرون الفتنة الطائفية، أو يشاركون فيها بالفعل أو القول أو الكتابة، وهي فتنة لا يعفي منها الأقباط أنفسهم، لأن الشعلة الأولي لها تكون من الجانب المسلم أو الجانب المسيحي.

فقاعدة حرية الاعتقاد في الإسلام واحترام حقوق الأقليات، تقوم علي قوله تعالي: »لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي«، والمحافظة علي أصحاب الأديان السماوية الأخري في ظل الدولة الإسلامية وحسن معاملتهم، يوجبها عقد الذمة، والذمة معناها: العهد، وهي كلمة توحي بأن لهم عهد الله وعهد رسوله وعهد جماعة المسلمين، أن يعيشوا في ظل الإسلام آمنين مطمئنين.

وهؤلاء الأقباط الذين يعيشون بيننا بالتعبير الحديث (مواطنون) في الدولة الإسلامية، أجمع المسلمون منذ العصر الأول إلي اليوم: أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، إلا ما هو من شئون الدين والعقيدة، فإن الإسلام يتركهم وما يدينون.

وقد شدد النبي، صلي الله عليه وسلم، الوصية بأهل الذمة، وتوعد كل مخالف لهذه الوصايا بسخط الله وعذابه، فجاء في أحاديثه الكريمة: »من آذي ذمياً فقد آذاني ومن آذاني

فقد آذي الله«.. وقوله: »من آذي ذمياً فأنا خصمه ومن كنت خصمه، خصمته يوم القيامة«.. وقوله: »من ظلم معاهداً، أو انتقصه حقاً، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة«.. وقوله: »اتركوهم وما يدينون، ولهم ما لنا وعليهم ما علينا«.

وقد قال الفقيه المالكي شهاب الدين القرافي: »إن عقد الذمة يوجب حقوقاً علينا، لأنهم في جوارنا وفي خفارتنا وذمتنا وذمة الله تعالي، وذمة رسوله صلي الله عليه وسلم ودين الإسلام فمن اعتدي عليهم ولو بكلمة سوء، أو غيبة في عرض أحدهم، أو أي نوع من أنواع الأذية أو أعان علي ذلك، فقد ضيع ذمة الله وذمة رسوله صلي الله عليه وسلم وذمة دين الإسلام«.

وقال ابن حزم الفقيه الظاهري: »إن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلي بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ونموت دون ذلك صونا لمن هو في ذمة الله تعالي وذمة رسوله، صلي الله عليه وسلم، فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة«.. فهل هناك حظ أعظم من ذلك لأهل الكتاب في الإسلام، الذي يشملهم برعايته وأمنه، ويحرم إيذاءهم أو إكراههم علي شيء غير ما يدينون ويعتقدون؟.

وأما الأمر الثاني الذي ألوم الدكتور يحيي الجمل بشأنه: فهو ما ذكره بخصوص إمكانية إجراء تعديل بالمادة الثانية في الإعلان الدستوري، بإزالة حرف الألف واللام، بحيث تصبح المادة كالتالي »الإسلام مصدر رئيسي للتشريع«، وهذا التعديل يفرغ المادة من مضمونها، كمصدر وأساس وقاعدة لهوية مصر الإسلامية، فتنكير المصدر »الرئيس«، يعني أن تصبح الشريعة الإسلامية مصدر للتشريع ضمن مجموعة مصادر أخري، ولا مانع عندئذ أن يطالب البهائيون والعلمانيون والبهرة والشيعة المصريون وعبدة الشيطان، كل منهم، بقانون خاص بهم، طبقا لما يعتقدونه من أفكار ومعتقدات، طالما أن الشريعة الإسلامية أصبحت مجرد مصدر.

كما يعني أن تصبح الشريعة الإسلامية مصدراً اختيارياً وغير ملزم للمشرع، وهذا في رأيي لعب بالنار من الدكتور الجمل ومن كل من يقترب من المادة الثانية بوضعها الحالي، وهو يقوض أركان المجتمع المصري المسلم ويثير فتنة كبيرة في مصر، لا يعلم مداها وعواقبها إلا الله.

[email protected]