لوجه الله

إحياء الاجتهاد ضرورة عصرية

أحمد ابوزيد

الثلاثاء, 04 سبتمبر 2012 22:41
بقلم: أحمد أبوزيد

حيوية الإسلام ومواكبته لكل مستجدات العصر تتطلب فريقاً من العلماء المجتهدين، الذين يقومون علي فريضة الاجتهاد للوقوف علي حكم الشرع الحنيف في العديد من القضايا المستحدثة، وأن يتم هذا الاجتهاد بشكل جماعي للحفاظ علي وحدة الأمة وتجنب الاختلاف والنزاع الذي يفرق الصف المسلم ويثير البلبلة بين عامة المسلمين.

والاجتهاد بهذه الصورة لن يتحقق إلا إذا قامت عليه مجامع وهيئات ومؤسسات إسلامية، تتولي مهمة جمع العلماء المجتهدين في سائر الفروع المختلفة، وتنظيم اللقاءات بينهم، لمواجهة كل ما يجد من قضايا وسرعة الاجتهاد الفقهي حولها وإصدار الأحكام الشرعية فيها، حتي نسد الطريق أمام أدعياء الفقه والدين، الذين يفتون بغير علم، ويفرقون ولا يجمعون.. فحاجة المسلمين اليوم للاجتهاد كحاجتهم للماء والهواء.
ولا غني لأمة تريد أن تتقدم عن الاجتهاد، وهذا الأمر أصبح ضرورة في ظل الظروف والمتغيرات التي نراها كل يوم، والاجتهاد لابد أن يكون في الأمور التي تقبل الاجتهاد، فالعبادات والعقائد لا اجتهاد فيها، أما المشاكل التي تتعلق بشئون الناس في حياتهم ففيها اجتهاد، والاجتهاد مقبول عندما يراد به صالح الأمة.
وهذا الاجتهاد لابد أن يقوم به العلماء المخلصون القادرون علي إعمال العقل، من خلال النصوص الشرعية في الكتاب والسنة، وذلك حتي لا ينخدع عامة المسلمين، خاصة الشباب بأدعياء العلم

والفقه في الدين، فالخطر الأكبر علي الشباب أن يكون أسير أفكار ومذاهب بعينها بدون علم، واتباع فتوي من لا علم له، وتتحول هذه الفتاوي لمعاول هدم للمجتمع.
ولابد أن نؤكد أنه لا صراع عندنا بين الوحي والعقل، أو بين الشريعة والحكمة، أو بين الدين والعلم، فالدين عندنا علم والعلم عندنا دين، والاجتهاد اليوم فريضة وضرورة.. فريضة يوجبها الشرع وضرورة يحتمها الواقع علي أن يكون اجتهادا من أهله وفي محله.
كما أن الإسلام دين الوسطية التي تجمع بين السلفية والتجديد، وتوازن بين ثوابت الشرع ومتغيرات العصر وترفض التجزئة والتمييع للإسلام، تنتفع بالماضي وتعايش الحاضر وتستشرف المستقبل.
والعلم عند السلف من علماء الأمة - كما يري الدكتور يوسف القرضاوي - ليس هو مجرد معرفة الأحكام عن طريق تقليد الغير، ولكنه العلم الاستقلالي، الذي يتبع فيه الحجة، وإذا كان الجمود علي ظواهر النصوص مذموما، كما هو شأن الظاهرية القدامي والجدد، فإن أشد منه ذما: الجمود علي ما قاله السابقون، دون مراعاة لتغيير زماننا عن زمانهم، وحاجاتنا عن حاجاتهم، ومعارفنا عن معارفهم، ولو تأخر الزمان بهؤلاء
العلماء القدامي حتي رأوا ما رأينا، وعاشوا ما عشنا – وهم أهل الاجتهاد والنظر – لغيروا كثيرا من فتاواهم واجتهاداتهم.. ولقد غير أصحابهم من بعدهم كثيرا منها، لاختلاف العصر والزمان، رغم قرب ما بين أولئك وهؤلاء، بل غير الأئمة أنفسهم كثيرا من أقوالهم في حياتهم تبعاً لتغير اجتهادهم، بتأثر السن أو النضج أو الزمان أو المكان.
فالإمام الشافعي – رضي الله عنه – كان له مذهب قبل أن يستقر في مصر عرف باسم «القديم»، ومذهب بعد استقراره في مصر عرف باسم «الجديد»، وما ذاك إلا لأنه رأي ما لم يكن قد رأي، وسمع ما لم يكن قد سمع.. والإمام أحمد روي عنه في القضية الواحدة عدة روايات متباينة، وما ذاك إلا لأن فتواه تختلف باختلاف الظروف والأحوال.
كما أن الإسلام يوازن بين الأصالة والمعاصرة، والمعاصرة هنا تعني المعايشة بالوجدان والسلوك للحاضر والإفادة من كل منجزاته العلمية والفكرية وتسخيرها لخدمة الإنسان ورقيه.. فالإسلام دين عالمي صالح لكل زمان ومكان، يستطيع مسايرة العصر والوفاء بمتطلباته والتعامل مع مقتضياته المتغيرة بثوابته الأصلية..
ونهضة المسلمين في هذا العصر تتوقف علي إحياء فريضة العلم والاجتهاد، واستيعابهم لمتطلبات العصر، خاصة في مجال العلوم الحديثة والتكنولوجيا المتقدمة.. فالمسلمون أولي الناس بالعلم والحضارة، فهم  أتباع الدين الخاتم الذي يشيد بالعلم والعلماء، ويدعو أتباعه إلي تحصيل هذا العلم وملاحقته في كل مكان، ولقد ذبلت الحضارة الإسلامية في القرن الرابع عشر الميلادي، وانحسر مداها، ليس في العلوم الإنسانية فحسب، وإنما في مجال العلوم الطبيعية، يوم أهمل المسلمون العلم، وأغلقوا باب الاجتهاد واقتصروا علي التقليد، وانكمشت الأبحاث العلمية.
[email protected]