لوجه الله

حاجتنا إلى رئيس عادل يتعفف عن أموال الشعب

أحمد ابوزيد

الأربعاء, 02 مايو 2012 09:03
بقلم :أحمد أبو زيد

حاجة الناس في مصر اليوم إلى رئيس عادل زاهد متعفف، قوي أمين، حفيظ عليم، أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب والماء والهواء، خاصة أن الظلم والجور قد سادا، وانتشرا كالنار في الهشيم، ودولة العدل مكتوب لها البقاء، حتى ولو كانت كافرة، ودولة الظلم مكتوب لها الفناء، حتى ولو كانت مسلمة ، فالله سبحانه حرم الظلم على نفسه وجعله بين الناس محرما.

ولقد استوقفتني تلك الرسالة التي بعث بها الخليفة الورع الزاهد عمر بن عبد العزيز، بعد أن تولى الخلافة، إلى الحسن البصري يطلب منه فيها أن يوافيه بصفات الإمام العادل، فإذا بالحسن البصري يكتب إليه رسالة بليغة، ناصحا مخلصا ، يفصل له صفات الحاكم العادل تفصيلا دقيقا، وهي رسالة تصلح لأن تكون دستورا للحكم، ولسلوك الحاكم ومنهجه في كل زمان ومكان، وأني لأنصح كل مرشح للرئاسة اليوم في مصر أن يضعها نصب عينيه ويدرسها ويعي ما فيها.. فماذا قال البصري لعمر بن عبد العزيز؟
قال‏:‏ اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف.
والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله، الرفيق بها، الذي يرتاد لها أطيب المراعي، ويذودها عن مراتع الهلكة، ويحميها من السباع، ويكنها من أذى الحر

والقر‏.‏
والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده، يسعى لهم صغاراً، ويعلمهم كباراً، يكتسب لهم في حياته، ويدخر لهم بعد مماته‏.
والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها، حملته كرها ووضعته كرها، وربته طفلاً تسهر بسهره وتسكن بسكونه، ترضعه تارة، وتفطمه أخرى، وتفرح بعافيته، وتغتم بشكايته‏.‏
والإمام العدل يا أمير المؤمنين وصي اليتامى، وخازن المساكين، يربي صغيرهم، ويمون كبيرهم‏.‏ وهو كالقلب بين الجوارح، تصلح الجوارح بصلاحه، وتفسد بفساده، وهو القائم بين الله وبين عباده يسمع كلام الله ويسمعهم وينظر إلى الله ويريهم وينقاد إلى الله ويقودهم‏.‏
فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله عز وجل، كعبد ائتمنه سيده، واستحفظه ماله وعياله، فبدد المال وشرد العيال، فأفقر أهله وفرق ماله‏.‏
واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش فكيف إذا أتاها من يليها‏!‏ وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم‏!‏ واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده، وقلة أشياعك عنده وأنصارك عليه، فتزود له ولما بعده من الفزع الأكبر‏.‏. واعلم أن لك منزلاً (القبر) غير منزلك الذي أنت
فيه يطول فيه ثواؤك ويفارقك أحباؤك يسلمونك في قعره فريداً وحيداً‏.‏. فتزود له ما يصحبك يوم يفر المرء من أخيه‏ وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه. واذكر يا أمير المؤمنين «إذا بعثر ما في القبور‏.‏ وحصل ما في الصدور»، ‏ فالأسرار ظاهرة والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها‏.‏
فالآن يا أمير المؤمنين وأنت ممهل قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل‏.‏. لا تحكم في عباد الله بحكم الجاهلين، ولا تسلك بهم سبيل الظالمين، ولا تسلط المستكبرين على المستضعفين، فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، فتبوء بأوزارهم مع أوزارك وتحمل أثقالهم مع أثقالك‏.‏
ولا يغرنك الذين يتنعمون بما فيه بؤسك، ويأكلون الطيبات في دنياهم بإذهاب طيباتك في آخرتك‏.. ولا تنظر إلى قدرتك اليوم، ولكن انظر إلى قدرتك غداً، وأنت مأسور في حبائل الموت، وموقوف بين يدي الله في مجمع من الملائكة والنبيين والمرسلين، وقد عنت الوجوه للحي القيوم‏.‏
وإني يا أمير المؤمنين وإن لم أبلغ بعظتي ما بلغه أولو النهي من قبلي، فلم آلك شفقة ونصحاً، فأنزل كتابي إليك كمداوي حبيبه، يسقيه الأدوية الكريهة، لما يرجو له في ذلك من العافية والصحة‏.‏ والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته‏.‏
انتهت رسالة البصري، وهى واضحة.. فليت ولاة أمورنا يتعلمون منها، ويجعلونها دستورا لهم، ويقتدون بهذا الخليفة العادل الزاهد عمر بن عبد العزيز، الذي كان يستنصح العلماء فينصحونه، حتى لا تزل به القدم، وهو يتولى شئون المسلمين، وقد اشتهر عصره بالعدل والرحمة والرخاء والنماء، حتى أنه جمع زكاة المسلمين، ولم يجد فقيرا يأخذها، فبعث في الناس من ينادي على الشباب المحتاجين للزواج لكي يزوجهم، وعلى المدينين المتعثرين في سداد ديونهم لكي يسد عنهم ديونهم.
[email protected]