لوجه الله

مصر والفوضي الخلاقة

أحمد ابوزيد

الثلاثاء, 18 يناير 2011 14:50
بقلم -أحمد أبوزيد

انفلات أمني وانفلات أخلاقي وانفلات اجتماعي، يعني حالة من الفوضي الخلاقة، ويعني أن الدولة والنظام الحاكم فقدا هيبتهما، ولم يعدا قادرين علي ضبط الأمور، وحمل المواطنين علي احترام القوانين، ومراعاة الآداب الدينية والاجتماعية.. والنتيجة انتشار الفوضي العارمة، والبلطجة بكل صورها، وكثرة الجرائم علي كل المستويات، والتجرؤ علي القوانين والآداب العامة.

وهذا بالتحديد ما نحياه في مصر الآن.. فعلي المستوي الأمني حدث، ولا حرج، عن انفلات أمني واضح، تبدو دلائله في انتشار الجرائم هنا وهناك، وما تخلفه من قتلي ودماء وأشلاء ومصابين، سواء كانت جرائم إرهابية تستهدف الهيئات والمؤسسات، أو كانت جرائم شخصية يعلم الأمن مصدرها، وترتكب بالآلاف كل يوم، ولك أن تنظر الي صفحات الحوادث في الصحف اليومية لتدرك حجم هذه الجرائم وتنوعها.

فأين الأمن والأمان الذي يجب أن يسود في مصرنا الحبيبة؟.. أين الأمن والأمان وأعمال البلطجة هي المسيطرة علي الأحياء والشوارع؟.. أين الأمن والأمان وشباب في عمر الزهور يختفون فجأة بالأيام والأسابيع، ثم تظهر جثثهم وهم قتلي، وعليها آثار التعذيب، ولا يعلم ذووهم من الفاعل وما الجرائم التي اقترفوها؟.. أليس هذا انفلاتاً أمنياً واضحاً؟.. فأين الأمن إذن؟.. هل ما زال يعمل لتوفير الأمن للشعب، أم أنه تفرغ منذ زمن لأمن الدولة وأمن الحكومة وأمن النظام؟

وأما علي المستوي الأخلاقي والانفلات

الواضح فيه، فلك أن تسير في الشارع المصري، أو تقف علي إحدي النواصي، أو تجلس علي أحد المقاهي، لتري الانحطاط الخلقي بكل صوره، وتري استباحة كل الحرمات، وتري العراك هنا وهناك لأتفه الأسباب، وتري كيف أن الأب لم يعد يأمن علي فتاته الصغيرة أو زوجته أن تسير وحدها في الشارع، وإلا هاجمتها أسراب الذئاب البشرية ممن يتحرشون ويهتكون الأعراض.. هذا يصرح ببذاءاته، وهذا يلمح.. وهذا يسب.. وهذا يشتم ويقبح.. ولا رادع من أمن أو قانون لكل هؤلاء.. أليس هذا انفلاتاً أخلاقياً واضحاً ينذر بكوارث ونكبات تأكل الأخضر واليابس؟

وأما علي المستوي الاجتماعي، فلم يعد الناس في الشارع المصري، سواء في المدن أو القري يعبأون بشرطة أو نظام أو قانون، بل فقد القانون والنظام هيبتها، وأصبحت البلطجة هي سيدة الموقف، لدرجة أنني عندما أسافر إلي قريتي بمحافظة المنوفية، أسمع كل مرة عن معارك هنا وهناك، هذه بين بلدان بأكملها.. وهذه بين أشخاص.. وتلك بين عائلات، وفي بعض هذه المعارك قتلي وجرحي ومصابون ونزاعات وخصومات ثأرية قد تدوم سنوات.

وهناك جانب آخر يتعلق بالانفلات الاجتماعي، وهذا

نلاحظه في أسواق السلع والمنتجات الغذائية التي يحكمها الغلاء الفاحش، وترتفع أسعارها بشكل عشوائي، دون ضابط أو رابط، ويتحكم فيها عدد من التجار الأباطرة الذين يحتكرون السلع الأساسية، ويحددون أسعارها بأنفسهم، دون احترام لقواعد أو قوانين.

ونري هذا الانفلات في العديد من جوانب حياتنا الاجتماعية، ولنضرب مثالاً واحداً بما يعيشه الناس ويلمسونه كل يوم في المواصلات داخل القاهرة وبين المحافظات، لنري أباطرة الميكروباص وما يفعلونه مع المواطنين، فالواحد منهم يعمل علي أحد الخطوط بتعريفة حددها المرور أو المحليات، فإذا به يحتال علي هذه التعريفة ويريد مضاعفتها، فيقطع خطه إلي عدة أجزاء، وكل جزء بأجرة، والناس المساكين يضطرون للركوب والدفع ويخضعون لهذا الاستغلال، لأنه لا رادع ولا رقيب لهؤلاء السائقين الجشعين من قانون أو شرطة أو مرور.

ولقد حدثني صديق يستقل خط ميكروباص المظلات - أشمون، كل فترة، كيف أن السائقين يمتنعون عن تحميل الركاب مع شدة الزحام بعد الساعة الثانية كل يوم، خاصة يوم الخميس، ثم يبدأون مساومة الركاب علي التحميل مع مضاعفة الأجرة من جنيهين ونصف الجنيه إلي خمسة جنيهات وأحياناً سبعة جنيهات، لمن يريد الركوب، ولأن هذا الموقف لا ضابط فيه من مرور أو إدارة محلية ترغم السائقين علي الالتزام بتعريفة الركوب، يخضع الناس للمساومة ويدفعون الأجرة مضاعفة أو أكثر، من أجل الوصول إلي بيوتهم ومصالحهم.

فأين الدولة وأين هيبتها؟.. وأين القانون وأين النظام من كل هذا الانفلات؟.. ومن تلك الفوضي الخلاقة التي بدأت تسود كل حياتنا؟.. إن الأمر جد خطير، ويحتاج إلي وقفة تستعيد فيها الدولة هيبتها من كل هؤلاء المنفلتين الذين يصنعون تلك الفوضي مع سبق الإصرار والترصد.

[email protected]