رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

لوجه الله:

هارب و«متنحي» ومقتول.. والبقية تأتي

أحمد ابوزيد

الأربعاء, 26 أكتوبر 2011 08:59
بقلم : أحمد أبو زيد

كنا نود أن نشرف في بلداننا العربية بقائمة لحكام سابقين، يتركون السلطة بصورة سلمية سلسة، لا مظاهرات فيها ولا مسيرات ولا مليونيات، ولا عنف ولا قتل ودماء، ولكن يبدو أن حكامنا العرب لا يريدون لنا أن نحظى بهذا الشرف، وهو شرف تحظى به شعوب العالم قاطبة، ما عدا الشعوب العربية.

فما من دولة إلا ونجد فيها رئيسا سابقا أو مجموعة رؤساء على المعاش، يعيشون ما تبقى من حياتهم في هدوء دون منغصات، ولك أن تنظر إلى أمريكا مثلا، وتحصي عدد رؤسائها السابقين الذين مازالوا على قيد الحياة، يعيشون اليوم كمواطنين أمريكيين عاديين، يمشون في الشوارع كعامة الناس، ويتنزهون ويذهبون الى النوادي، دون مطاردات ولا ملاحقات ولا أمن ولا حراسة.
أما حكامنا فإنهم يطبقون المثل القائل: «السلطان من القصر إلى القبر»، فما إن يعتلى كرسي السلطة حتى يتشبث به فلا يتركه الى أن يموت.. لابد أن يموت وهو رئيس حاكم، لا رئيس سابق.. والا فهو إما هارباً فاراً بجرائمه من شعبه الذي ثار عليه، كحال زين العابدين بن على، وإما متنحياً مرغماً على ترك السلطة بعد فوات الأوان.. محبوساً وموقوفاً للمحاكمة على جرائمه كمبارك، وإما مخبولاً مقتولاً لم يهرب ولن يتنحى، وأصابه جنون العظمة حتى قتل شر قتلة على يد ثوار شعبه كالقذافي.. والبقية تأتي،فلن يخرج مآل ما تبقي من حكام عرب تثور عليهم شعوبهم عن مآل هؤلاء الثلاثة.
هذا هو حال حكامنا..الواحد منهم يظن بعد أن يصبح حاكما، أن أمه قد ولدته رئيسا، وأنه قد ورث هذا البلد وشعبه كابرا عن كابر، وأنه صار فوق رؤوس العباد، وأصبح ذا قداسة تمنعه

من أن يعود الى سابق عهده قبل الرئاسة كمواطن عادي يحمل لقب رئيس سابق.
والشعوب المتخلفة هي التي تصنع ذلك بحكامها، فتصل بهم إلى حد التأليه والقداسة، وحاشا لله أن يكون أحدهم كذلك، وبذلك تظلمهم قبل أن تظلم نفسها.. فيظن الحاكم وقد رفعه شعبه فوق الرؤوس، أنه الحاكم الأوحد، الذي لم تلد مصر غيره، وأنه الآمر الناهي، الخافض الرافع، المعز المذل، العاطي المانع، الذي لا رقيب ولا حسيب عليه من أحد.
فهل رأيتم شعوبا في أمم الأرض قاطبة تغني لحكامها غير الشعوب العربية؟، انظروا إلى تراث مصر وأي دولة عربية من الغناء والأمسيات الغنائية، ستجدون سلسلة من الأغاني الوطنية التي صنعت لرئيس الدولة.
أتدرون ما الفرق بيننا وبين دول أوروبا وأمريكا، في علاقة الرئيس بشعبه، وموقف شعبه منه.. هناك يأتي الرئيس الى كرسي الرئاسة وهو على يقين أنه موظف لدى الشعب، وخادم له، وإذا قصر في عمله ووظيفته وخدمته، فسوف يجد من يحاسبه ويراقبه، وربما يطالب بعزله عبر القنوات الشرعية من خلال المجالس التشريعية.
أما عندنا فمنذ أن يعتلي الرئيس كرسي الحكم، يظن في نفسه أن الرئاسة حق من حقوقه الطبيعية، وأنها مغنم له لا مغرم، ويصبح على يقين من أنه المالك لهذا الشعب ولأمواله وخيراته، المتصرف الأوحد فيها، دون حساب أو رقابة، فالمجالس التشريعية لا تتشكل عندنا إلا لكي تصفق للرئيس، وتستقبله بالهتافات، وتبارك كل أفعاله.. فما الحاكم إلا
كشيخ الحارة، وما هذه المجالس إلا مجالس للطراطير.. هكذا كان حالنا عبر الثلاثين عامًا الماضية.
ومن الغريب والعجيب أن تأليه الحكام يحدث في دول إسلامية، تؤمن بدين عظيم، يضع منهجا قويما للحكم، ويعتبر السلطة والولاية تكليفا لا تشريفا، لا يتحملها إلا القوي الأمين، الحفيظ العليم، ويعتبر الحاكم أجيرا عند شعبه، لا مالكا لمقدراته وشئونه.
فالشعب يجب ألا يستأجر لرئاسته وحكمه إلا القوي الأمين، «يا أبت استأجره ان خير من استأجرت القوي الأمين» سورة القصص.. ويجب ألا يعتلي عرش البلاد وخزائن مصر الا الحفيظ العليم، الذي يعلم كل صغيرة وكبيرة فيها، ويحفظ حقوق البلاد والعباد، فقديما قال يوسف عليه السلام لملك مصر «اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم» سورة يوسف.
فيا من تنتوون الترشح للرئاسة.. اعلموا إني لكم ناصح أمين: الرئاسة مغرما لا مغنما، تكليفا لا تشريفا.. فلا يغتر أحدكم بنفسه ويظن أن حكم البلاد والعباد مهمة سهلة، إنه أمانة، وإنها يوم القيامة حسرة وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها، هكذا أخبرنا نبينا المعصوم محمد، صلى الله عليه وسلم،.. ولينظر الواحد منكم قبل أن يترشح للرئاسة إلى مآل الظالمين من حكامنا، الذين حول الله نعيمهم وعزهم الى جحيم وذل وهوان وسجون ومحاكمات.. ولينظر الى مصارع المتجبرين من الحكام الذين كان يشار إليهم بالبنان، ويطلقون على أنفسهم ألقاباً ما أنزل الله بها من سلطان، من مثل «ملك ملوك أفريقيا» و«عميد الحكام العرب»، كيف كانت نهايتهم وما آل إليه حالهم ومصيرهم، وقد ظنوا من قبل أنه لا غالب لهم على ما هم فيه من سطوة وجاه وسلطان.
واعلموا أن الشعوب قد صحت صحوة لا رجعة فيها، وأنها لن ترحم بعد اليوم من يخدعها أو يغرر بها.. ولينظر كل منكم في نفسه، هل يمتلك القوة والأمانة والعلم، ليكون جديرا بحكم مصر وتحمل أعباء نظامها ومشاكل وهموم شعبها.. من كان كذلك فنحن معه ومن خلفه.. وإلا فليؤثر السلامة ويدع الأمر لأصحابه القادرين عليه، ولا يورد نفسه مورد الهلكة والخزي والخسران.. اللهم إني قد بلغت.. اللهم فاشهد.
[email protected]