خبراء:تشريع لمواجهة عقوق الآباء

آباء وأبناء

الاثنين, 13 ديسمبر 2010 12:46
كتبت: غادة الترساوي


عقوق الآباء والأمهات.. تعبير قد يكون غريبا، لكنه أصبح حقيقة واقعة صارت مرادفا لجرائم عقوق الأبناء .. آباء دفعتهم القسوة أحيانا لقتل أبنائهم.. وأمهات أعمتهن الغيرة من بناتهن ودفعتهن إلى تدمير مستقبلهن .. حالات غريبة على مجتمعنا لكنها تمثل واقعا جديدا هو أن آباء اليوم يسبقون أبناءهم بالعقوق، متناسين تعاليم ديننا وتقاليدنا العربية الأصيلة التي تضع العلاقات الإنسانية على رأس اهتمامات الأسرة.. في السطور التالية نتناول بالنقاش والتفسير أسباب الظاهرة كما يراها المتخصصون، مع بيان طرق التعامل معها سعيا إلى رسم الطريق الصحيح للتعامل مع الأبناء.

 

جذور الظاهرة

هذه النماذج المزعجة التي تنذر بانهيار الأسرة والمجتمع، تراها د.فادية ابو شهبة ،أستاذ القانون الجنائي والباحثة بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية بالقاهرة، نتيجة لتحولات اقتصادية واجتماعية سريعة في مجتمعنا أدت بدورها إلى تحولات في طبيعة العلاقات الإنسانية، حيث أصبحت القيم المادية تمثل القيمة الأساسية فالأفراد يتعاملون مع معطيات الحياة ومع أبنائهم من منظور مادي بحت.. ومن هنا كان التكالب للحصول على المادة والتغاضى عن القيم والأخلاقيات التي من المفروض أن تهتم بها الأسرة في التعامل مع أبنائها، ونظرا لصعوبة الوصول لمستوى معيشي مريح في ظل الظروف الاقتصادية الحالية فقد انعكس ذلك على توتر الآباء وقلقهم، فأصبح سلوك العنف تجاه الأبناء رد فعل لهذا القلق والتوتر والإحباط.

وتتابع: أثبتت الدراسات التي أجريت للآباء والأمهات الذين يسيئون لأبنائهم أن نسبة عالية منهم يعانون من عدم التوافق الزوجي الذي يكون لديهم اتجاها عاما برفض الطفل خاصة الأول والثاني، وأن البعد عن الدين والجهل بأموره سمة غالبة على هؤلاء الأزواج، وأن الأمهات اللاتي يؤذين أولادهن أغلبهن أصغر سنا من الأمهات العاديات، وينتمين إلى أدنى الطبقات الاجتماعية.. والغالبية العظمى منهن نشأن فى أسر عنيفة حيث كان آباؤهن يعاملوهن بقسوة وعنف, وأنهن يعانين من اضطرابات فى الشخصيه تجعل البعض منهن أحيانا تشعرن بالغيرة من بناتهن خاصة اذا كانت الإبنة أكثر جمالا أو أوفر ذكاء ونجاحا أو تحظى بإعجاب والدها, فتعمد الأم إلى تحطيم هذه المميزات والنيل من الابنة بشتى الطرق حتى لاتشعر أنها ظلمت مرتين.

وترى د. فادية أن التقليل من حجم الظاهرة والتخفيف من آثارها الاجتماعية والنفسية ممكن من خلال عدة توصيات ومقترحات من بينها:

• إعداد برامج تثقيفية وإعلامية تركز على توعية الآباء والأمهات بأساليب التربية الصحيحة والمعاصرة للأبناء، وتعميق الإحساس بالمسئولية لديهم تجاه أبنائهم، وتجنب أساليب التنشئة الخاطئة والقسوة الزائدة حتى لايتولد لدى الأبناء الرغبة في الانتقام والعنف.

• توفير جهة رسمية أو شعبية يلجأ اليها الأبناء المتضررون تكون كفيلة بتقديم العون المادي والمعنوي لهم والرعاية الاجتماعية والنفسية، والمساعدة القانونية إذا لزمت لهؤلاء الأبناء.

• تشديد العقوبة فى قضايا العنف الأسري على الآباء والأمهات الذين يسيئون معاملة أبنائهم.. وضرورة سن تشريع جديد لمواجهة ظاهرة الهجر المعنوي للأسرة.

لأن المشرع اهتم بالرعاية المادية وأغفل الاهتمام بالرعاية المعنوية المتمثلة فى الجانب التربوي الذي يهتم بالنواحي النفسية والعاطفية للأبناء, وهى لاتقل أهمية عن الرعاية المادية لتقوية الروابط الأسرية وتماسكها واستقرارها.

شروط العقاب

وحسب دراسة أجراها د. أحمد زايد أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة القاهرة، عن عقاب الأبناء داخل الأسرة، فإن الأسلوب الأمثل فى معاملة الأبناء هو إقامة العلاقات على الود والتفاهم لتحقيق الوظائف الأساسية للأسرة.. وأهمها تحقيق الأمان والحماية والرعاية الاجتماعية للأبناء، لأن ممارسة العنف فى شتى صوره البدنية والنفسية من قهر، وطرد، وتحقير، وسباب، وسخرية، وحرمان من الحقوق، يؤدى إلى نوع من الاغتراب بين الآباء والأبناء، ويشجع الأبناء على تكرار السلوكيات غير المرغوب فيها وغالبا ما تكون له آثار نفسية ضارة كالقلق المرضى والخنوع وتكوين مشاعر سلبية.

والعقاب كما يراه د. زايد، عملية تربوية تفاعلية يجب أن تتوافر فيه عدة شروط أهمها ألا يكون قاسيا، وأن يرتبط بتفهم الأبناء لأهداف العقاب الأخلاقية، وأن يكون هناك تفهما للمسئوليات المتبادلة بين الآباء والأبناء، وأن تتأسس العلاقات فى الأسرة على مفهومى الثقة والسلطة.. على اعتبار أن سلطة الآباء غير قهرية، وإنما هى تربوية تقوم على الثقة المتبادلة، وأن يكون العقاب مقترنا لدى الابن بشعوره بأنه ارتكب خطأ حقيقيا, وبالتالى لن يناقش سلطة الأب فى العقاب بل سيتقبلها راضيا.

لا تضيع من تعول

وقد حدد الإسلام عبر القرآن الكريم والسنة النبوية حقوق الأبناء على الآباء، ووجوب قيام الآباء والأمهات بهذه الحقوق حتى لا يكونوا عاقين لأبنائهم.. ومن أهم هذه الحقوق التي يعددها د. محمد نبيل غنايم ،أستاذ الشريعة ومدير مركز البحوث الإسلامية بجامعة القاهرة، الإحسان إليهم باختيار الزوجة الصالحة التى ستكون أما لهم، وأن يحسنوا اختيار أسمائهم، وأن يتولوهم بالنفقة الدائمة فى الطعام والشراب والكساء والتعليم والملاعبة، وغير ذلك من الأمور.

وقد قسم الرسول صلى الله عليه وسلم مراحل تربية الأبناء إلى ثلاث، فقال :لاعب ابنك سبعا وعلمه سبعا وصادقه سبعا، ثم اترك له الحبل على غاربه.

فالسبع سنوات الأولى ،كما يشرح د. غنايم، هي سن اللعب والضحك والمداعبة ونحو ذلك، ليس فيها تكليف ولا عقاب ولا قسوة ولا شىء من هذا القبيل، ثم تأتى سبع سنوات أخرى للتدريب والتعليم والتربية.. كما قال النبي( صلى الله عليه وسلم): مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر.. والضرب هنا وضع الإسلام له شروطا بأن يكون ضربا خفيفا غير

موجع، وألا يُضرب الطفل أمام أحد، وألا يتم أثناء الغضب، وأن يكون الطفل قد أتم العشر سنوات.

وفي سن الرابعة عشرة ،حيث يعيش الأبناء مرحلة المراهقة، تكون المصاحبة والمؤاخاة والكلمة الطيبة والنصيحة حتى لايشرد الأبناء ويتعاملون مع قرناء السوء، ثم يأتي سن الرشد ويمكن في هذه الحالة أن يلقي لهم الآباء الحبل على غاربه لأن الأبناء فى هذه السن يكونوا قد أصبحوا رجالا وأمهات يختارون طريقهم ويستطيعون تحقيق مصالحهم بأنفسهم.

وإذا أساء الأب فى أى مرحلة أو قصر فيها بدون عذر فإنه يكون عاقا لأبنائه ومسئولا أمام الله والرسول عن تضييعهم.. وهذه المسئولية تعد من أكبر الذنوب والفواحش عند الله، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول".

لذلك فإننا – والكلام مازال للدكتور محمد نبيل غنايم– ننبه الآباء والأمهات على حد سواء إلى حسن رعاية الأبناء منذ الحمل بهم إلى أن يصبحوا رجالا ونساء صالحين، وإلا فإنهم سينالون الجزاء الأوفى من العقاب، وهذا ما يجعل بعض العلماء يطلق على هذا التقصير عقوق الآباء في مقابل عقوق الأبناء، لأن الله ترك الآباء والأمهات بدون توصية على الأبناء لأنهم بفطرتهم وغريزتهم التى خلقهم الله عليها لايحتاجون إلى توصية, بينما وصى الأبناء بالوالدين لأنهم يحتاجون إلى توصية بالبر بهم, فمن خالف ذلك كان مخالفا للفطرة خارجا على الصراط المستقيم.

الصبر.. واللجوء للقضاء

ويقدم د. أحمد حمد أحمد ،أستاذ الفقه والشريعة السابق بجامعة قطر، نصائح للآباء والأبناء تتحصن بها الأسرة فيقول: الرسول صلوات الله وسلامه عليه لمس أن عملية التربية وما تثيره تصرفات الأولاد أحيانا من انفعالات قد تُخرج الآباء عن أطوارهم.. لذلك فقد وضع منهاجا للتربية ملؤه الرحمة والعدل ولامكان فيه لقسوة أو عنف، وأمرنا بتوخي الحذر والحكمة فى تربية الأبناء وحصر الانفعالات في حدود ضيقة بقدر المستطاع، والدراسة الفاحصة لسلوك الأبناء وميولهم ومشاعرهم. وحذر من مجرد الدعاء عليهم بالشر لقوله صلى الله عليه وسلم: لا تدعوا على أولادكم أن يوافق ذلك إجابة، وأراد بهذا النهي أن يكظم الآباء غيظهم ويعقلوا ألسنتهم من النطق بأي سوء، فالشر لن يأتى إلا بشر ورجاء السوء لايقترن به إلا السوء، ولم يرد عن الرسول أن أمر بعقاب الأبناء حتى العاقين منهم بحرمانهم أو إنقاصهم حقا من حقوقهم، بل على العكس روى عن الصحابة أنهم أرجعوا عقوق الأبناء إلى تقصير الآباء.

وينصح د. حمد الأبناء بالصبر على إيذاء آبائهم قائلا: كما أمر الرسول الآباء بكظم انفعالاتهم مع أبنائهم، فقد أمر الأبناء أن يصبروا على إيذاء آبائهم مهما بلغ من شدة، لأن الشدة سيعقبها ضعف.. والآباء حنانهم يغلب قسوتهم. كما أوصاهم بألا يردوا السوء بمثله وأن يكونوا بارين بهم. وقد ورد الحديث عن الصبر أكثر من سبعين مرة بالقرآن الكريم، فإذا كان الصبر فضيلة ينبغي أن يتحلى بها المرء في تعامله مع الناس فالأولى أن يتحلى بها الأبناء مع آبائهم حتى ينالوا الأجر الكريم والثواب العظيم.

وينهي أستاذ الشريعة حديثه: أما إذا اشتد الإيذاء وبلغ حد الخطورة فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وعلى الأبناء أن يستدعوا الصالحين من أسرهم ومعارفهم للإصلاح بينهم وإثابة الوالدين إلى رشدهم.. وفي حالات الأطفال الصغار الذين يسيء آباؤهم إليهم، فإن لم تفلح الوسائل السلمية في إصلاح حال ذويهم فلا مفر من اللجوء للقضاء الذي سيحكم بانتزاع الطفل من أسرته وإيداعه إحدى المؤسسات الاجتماعية، أو لدى أسرة بديلة يطمئن لها القاضي ويرى أنها تستحق هذا الإبن وتوفر له الرعايه المطلوبة.

أهم الاخبار