رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

فى الذكرى الأولى لرحيل شهداء يناير

أمهات وآباء بين ألم الفراق والوعود الكاذبة

آباء وأبناء

الثلاثاء, 24 يناير 2012 16:04
أمهات وآباء بين ألم الفراق والوعود الكاذبة
تحقيق: نشوة الشربيني

عام مضي ومشاعر الحزن والألم تعصر قلوب الأمهات والآباء علي فقد أبنائهم دفاعاً عن ثورة يناير، ومع تعصر قلوبهم ألماً وعذاباً تحل ذكراهم في يومهم هذا ومازال الأمر معلقاً بين ذكري الاستشهاد

وبين القصاص ممن قاموا بقتلهم واحتساب هؤلاء شهداء عند الله لأنهم ضحوا بأرواحهم ودمائهم الذكية دفاعاً عن المبادئ والقيم ووقوفاً في وجه الفساد والظلم والقهر الذي عاني منه الشعب المصري قروناً طويلة، وفي خضم هذا الألم والحزن تبرز العديد من القصص والحكايات التي تزيد من موقف الاستشهاد جلالة وروعة وإيماناً بأن هذه الدماء الذكية سالت من أجل مصر وأن هذه الأرواح الطاهرة فقدت من أجل أن نحصل جميعاً علي الحرية والكرامة والعدالة، فهل تحققت تلك المبادئ السامية التي استشهدوا من أجلها؟.. وهل تم الأخذ بعين الاهتمام لتلك الأسر التي فقدت أبناءها أو عائلتها أو وحيدها.. كل الكلمات لا تعجز عن تعويض هذه الأسر بقطرة دم واحدة من هذه الدماء والتعرف علي مشكلاتهم، لأننا بهذا نستطيع أن نكشف ما يجب أن نقدمه لهؤلاء ليس في مقابل شهدائهم ولكن تخفيفاً من معاناتهم.
قمنا بزيارة بعض أسر هؤلاء الشهداء للتعرف علي مطالبهم واحتياجاتهم في ذكري استشهاد أبنائهم وكانت هذه كلماتهم، حيث عبروا عن استيائهم بسبب بطء محاكمة الجناة الذي راح ضحيتهم 800 شهيد وأكثر من 6000 مصاب، علي الرغم من مرور عام علي حادث الاستشهاد في انتظار لحكم القضاء العادل بالقصاص للرئيس السابق وقتله الثوار حتي يمكن أن يشفي غليلهم ويريح قلوبهم المتألمة من فراق فلذات أكبادهم، فضل أهالي الشهداء أن يقوموا بإحياء الذكري السنوية الأولي لشهدائهم بين الذهاب لزيارة المقابر صباحاً والحضور إلي ميدان التحرير أو المكان الذي حدث فيه الاستشهاد لإحياء مطالب الثورة التي في مقدمتها الحرية والعدالة، مؤكدين أن المنظمات الحقوقية التي أدعت أنها تدافع عن انتهاكات حقوق الإنسان لم تقدم لهؤلاء الأسر أي شيء بل إنها تتاجر بدماء الشهداء، ولكن تبقي ذكراهم في هذا اليوم نبراثاً ونوراً ومشعلاً للثورة.


الحاج أحمد عز الدين محمد السيد 52 عاماً والد الشهيد محمد أحمد عز الدين محمد السيد، قال: بعد مرور عام علي فراق ابني لكنني مازالت أشعر بوجوده معنا حتي الآن ولن أرتاح إلا بتقديم الجناة لحبل المشنقة، فمشهد وفاته لم يفارقني يوماً، حيث إنه توفي إثر الإصابة بطلقة رصاصة قاتلة بالجانب الأيمن من الرئة، وهو في منزله وذلك حدث يوم 28 يناير نتيجة مرور المتظاهرين في الشارع الذي نقيم به هروباً من مطاردات أفراد الشرطة في الشوارع الجانبية ومنهم من المرور أمام قسم حدائق القبة، فعندما سمعنا صراخاً وضرب نار خرجنا أنا ووالدته إلي البلكونة لنعرف ما الذي يحدث في الشارع، وصادف ذلك قيامه من النوم ولحق بنا إلي البلكونة أيضاً وظل يتحرك مكان والدته خوفاً من حدوث أي مفاجآت وفي غضون 4 دقائق أصيب بطلق ناري وسقط علي الأرض وأغمضت عيناه تماماً فحاولت والدته إيقاف الدماء، لكنها كانت تخرج من ذراعه اليمني، وأخذت والدته في الصراخ والعويل فصعد الجيران إليها وربطوا ذراعه لكن الطلقة مرت إلي رئته اليمني عبر القفص الصدري، وتم حمله وتوجهنا إلي مستشفي كوبري القبة العسكري يوم 28 يناير لكنه كان يحتاج إلي مستشفي بها أوعية دموية، لذا ذهبنا إلي مستشفي القوات المسلحة بالمعادي فجر السبت 29

يناير وتم عمل الإسعافات اللازمة له في الطوارئ، ودخوله العناية المركزة الخاصة بالأوعية الدموية لمدة 3 أيام ثم انتقل إلي العناية المركزة بالمخ والأعصاب لأفاجأ بأن الرصاصة استقرت بين الفقرة 6 و7 في الفقرات العنقية مما سبب له شللاً رباعياً وكانت هذه صدمتي التي تعدت صدمة الوفاة نفسها ثم مر يوم 4 فبراير علي خير ثم جاء يوم 5 فبراير فاشتد المرض عليه وقالوا لنا: المريض تعبان وممنوع من الزيارة وحاولنا أن نراه لكنهم وافقوا لشخص واحد فقط ليطمئن الآخرون.. وفي تمام الساعة 6 صباحاً من يوم 6 فبراير الماضي حدثت الوفاة، وهو ليس الشهيد الوحيد في المنطقة بل يوجد 101 شهيد وشهيدة بأيدي رجال الشرطة الذين كانوا متربصين للمتظاهرين علي أسطح بيوت المنطقة لتصويب الرصاص عليهم وهم يزحفون أسفل السيارات الموجودة في الشارع.
ووجه رسالة للقائمين علي ملف قضية قتل المتظاهرين في حدائق القبة من محامين ودفاع ونيابة وقضاة وهي «اتقوا الله في ضمائركم لأن القضاء هو دار الحق وأنتم أهل الحق والعدل ولا تظلموا أبناءنا وتقولوا عليهم مسجلين خطر أو مجرمين.. اسألوا عليهم قبل ذلك» لأنني لدي ترخيص بحمل سلاح ناري لأن عملي في شركات الحراسات لنقل الأموال يتطلب سجلاً جنائياً نظيفاً، فماذا يعني ذلك؟.. كما أن مستشفي القوات المسلحة بالمعادي رفض يعطيني تقريراً طبياً يبين سبب الوفاة.. فلماذا التعتيم ولصالح من؟
ويتابع قائلاً: إحنا بدأنا في صرف المستحقات من شهر مارس الماضي، فضلاً عن معاش الشهيد بمبلغ 1500 جنيه مناصفة بين الأب والأم.. إحنا مش عايزينهم، مال الدنيا كله مش هيعوض فراق ابني اللي راح، صحيح أنا مطمئن عليه عند ربه، لكن أهالي أسر الشهداء تطالب بتطبيق شرع الله علي الجناة.


أضاف: أنا رحت لكل المنظمات الحقوقية ولكن للأسف زي قلتهم محدش عبرنا بتليفون، علي الرغم من مرور عام علي حادث الاستشهاد، فهؤلاء يتاجرون بدماء الشهداء، حتي أنا عانيت الأمرين للحصول علي الأوراق الدالة علي الوفاة من أصل محضر النيابة العامة وتصريح الدفن بدون ذكر سبب الوفاة، وتقدمت بطلب إلي إدارة تخطيط جنوب القاهرة بمجمع التحرير رقم 20 حتي أري اسم ابني في الشارع الذي كان يقيم به.
وفاء وهبة محمود 48 سنة والدة الشهيد محمد أحمد عز، تقول: ابني كان شاباً رياضياً متديناً ومحبوباً من أصدقائه وجيرانه وأهله وإخوته الثلاثة «مريم ومصطفي ومعتز» وكان طالباً في الفرقة الثالثة بكلية التجارة جامعة عين شمس ومر عليه امتحانه وهو داخل المستشفي، ولم يكن مسجل خطر أو بلطجي بل إنه مات غدراً برصاص قناصة الداخلية، لذا فنحن نطالب بالقصاص من مبارك ونجليه واللواء حبيب العادلي ومساعديه، وإن لم آخذ حق ابني ممن قتلوه في الدنيا هاخده في الآخرة إن شاء الله، وفي الذكري الأولي لابني سنذهب جميعاً إلي المقابر وسنقرأ له الآيات القرآنية وسنفرق الرحمة علي روحه الطاهرة وسنظل بجواره

طوال اليوم، ربنا يرحمه.
وقالت والدة الشهيد حسن حمدان حسن: نحن نطالب بالقصاص لأبنائنا الشهداء، صحيح أن الحكومة صرفت تعويضات ومعاش شهيد لكنه لا يعوضني عن ابني اللي راح، أنا مستعدة أن أدفع ما لدي من ممتلكات بس يرجعلي وأشوفه تاني، أنا ووالده وإخواته الثلاثة وأقاربنا وجيراننا وأصدقائه سنقضي يوم الذكري السنوية معه في المقابر، حتي نشعر أنه مازال موجوداً معنا وندعوا له بالرحمة والمغفرة، لكننا نعلم من أصدقائه أنه سيتم تكمله يوم ذكراه في ميدان التحرير تأكيداً لمطالب الثورة في تحقيق العدل.
أما حمدان والد الشهيد حسن، قال: إن ابنه كان في منزله طوال الوقت، ولم يكن من المتظاهرين أو المعتصمين لكنه كان مهموماً بالأحوال السيئة التي تمر بها البلد، حيث كان يشعر بالأسي والألم عندما يشاهد أحداث الاشتباكات بين قوات الأمن والمتظاهرين وأنه طلب منه كثيراً أن يتركه لكي يساعد المصابين في هذه الأحداث ويكون بجانبهم، لكن الأب لم يوافق وكان كثير التنبيه إليه بعدم الابتعاد عن منطقة سكنه في الخصوص، حتي وإن طلب عمله منه السفر لشراء ما يحتاجونه من تجار الجملة الدواجن لم يسافر أيضاً، لكن القدر تدخل، ففي يوم الحادث اشتد إلحاح الابن لأبيه للنزول إلي زملائه الموجودين في نفس الشارع للتنفيس عن نفسه.
وقال حمدان والد الشهيد: ليتني ما وافقت علي نزول ابني في الشارع في هذا اليوم حيث فوجئت من زملائه بأنه ذهب إلي ميدان التحرير، وهو ما كنت أخاف منه، مما أدي إلي إصابته بطلق ناري في قلبه أثناء تواجده أمام وزارة الداخلية تطوعاً بغرض مساعدة وإسعاف المصابين، وعليه فتم نقله إلي مستشفي أحمد ماهر التعليمي لإسعافه في تمام الساعة الثامنة والنصف مساء، حتي لفظ أنفاسه الأخيرة بعد ساعات قليلة من ليلة 29 يناير.
وتابع قائلاً: ابني كان يعاونني في تجارتنا وكان سنداً لي ولأسرته، حتي إننا كنا ننتظر إتمامه للزواج من خطيبته قبل 6 أشهر من الوفاة، فالنوم والراحة لم نعرف طريقها منذ وقت الاستشهاد، الفراق صعب، ربنا ينتقم من الظلمة اللي حرمونا من ابنائنا، حتي نتأكد من أن دماء أبنائنا لم تضع هباء.
أوضحت والدة الشهيدة رحمة محسن أحمد خضير أن البلطجية ليسوا أبناءنا، بل هم اللي شالوا السلاح وأطلقوا النيران علي أبنائنا، ولا يمكن أن يكون مقابل دماء الشهداء تقديم معاش أو صرف تعويضات، لأن النفس بالنفس، والسن بالسن والبادي أظلم، وبعد مرور عام علي حادث الاستشهاد مازلنا نأمل في تحقيق القضاء العادل بالقصاص للقتلة الذين كانوا يحكمون البلد بالعصا والنار وتسببوا في زيادة أعداد فقراء مصر وسرقوا البلد وباعوها علناً من الرئيس السابق مبارك ونجليه واللواء حبيب العادلي ومساعديه الستة، فنحن كنا نمر بظروف صعبة للغاية، فابنتي كانت طالبة في الفرقة الرابعة بمعهد الخدمة الاجتماعية ولم تكن تميل للسياسة في يوم، لكنها ذاقت مرارة الظلم أمام أعيننا من أمناء وضباط الشرطة بقسم الساحل بسبب تعرض أبيها للسجن ظلماً لسنوات طويلة بتهمة الاتجار في المخدرات ولم يتركوه بعد أن قضي مدة السجن في حاله حتي يرجع لأولاده، لكنهم بحثوا عن تهم أخري لتلفيقها له افتراء، فالشهيدة «رحمة» تحملت معني مرارة العيش وقسوة الحياة وهي تعاونني في تربية إخواتها «نورا وإبراهيم» بدون سند يحمينا أو ينفق علينا، كما أنني ليس لدي حرفة أو مهنة حتي أعتمد عليها في الإنفاق علي أبنائي، بل ظللنا نعتمد علي السلف من الجيران وفضلت بعد ذلك اللجوء لخدمة البيوت وتحملت الذل والمهانة حتي أربي أبنائي بالحلال لكن القدر حرمني من ابنتي «رحمة» فهي توجهت مع أخيها إلي ميدان التحرير في يوم جمعة الغضب 28 يناير حتي تطالب بإسقاط نظام مبارك الظالم وكثيراً ما طلب منها أخوها أن ترجع إلي المنزل لكنها رفضت حتي أصيبت بطلق ناري في المخ تم نقلها إلي مستشفي قصر العيني وحدثت الوفاة صباح الأحد 31 يناير ومن بعدها الحياة ملهاش طعم، فهي زهرة عمري وأحن أولادي لا يمكن لأحد منهم أن يعوض مكانها في قلبي.. ربنا يرحمها ويسكنها فسيح جناته، وفي يوم ذكراهم سنقرأ الفاتحة علي روحها ولكل أرواح الشهداء مع التأكيد علي المطالب التي ضحت ابنتي بروحها من أجلها.

أهم الاخبار