بالإهانة والقهر والاغتصاب.. صغارنا شواذ

آباء وأبناء

السبت, 13 نوفمبر 2010 15:17
كتبت: دعاء الشامي

alt src=http://wafd.grafizone.tv/news/images/stories/icons/boys_1.jpg
"شادي ...تعالى هنا بسرعة كان حاطط إيده على كتفك ليه"..؟ قالتها هدى بصرامة، وعينيها موجهة صوب صديق ابنها الذي مشي بسرعة ولكنه ربما لم يفهم ماذا قصدت "تانت هدى"..!رد شادي على والدته بكلمات متفرقة لم تفهم منها شيئا، تركته يركب السيارة وقد قررت تمضية الوقت من المدرسة للمنزل في الحديث عن قضية فتى مصر الجديدة، وطلبت منه أن يبلغها فوراً إذا لاحظ أن هناك واحدا من زملائه يترصده، كما أمرته ألا يترك أحداً يلمس جسده مهما كانت الظروف ، صارخة في وجهه " ولا حتى تسلم عليه بالإيد، فاهمني ولا لأ"؟

حالة السيدة هدى متكررة، فهي ليست الوحيدة في مصر التي تعاني من صداع الشذوذ الجنسي في المدارس.. وعلى الرغم من أن المشكلة من الموضوعات المسكوت عنها والممنوع الخوض فيها، إلا أنها تحولت إلى هاجس ووسواس دائم في رؤوس الآباء والأمهات، يتحدثون عنه همساً ويبحثون عن حلول له بطرق فردية خاصة بهم.

الكلام الممنوع

"هناء" أم لثلاثة أطفال أعمارهم متفاوتة، رفضت أن تحكي عن موصوع الشذوذ واعتبرته موضوعا شائكا برغم أنها تخاف بشدة على ابنها الذي يدرس بإحدى المدارس التي يوجد بها عدة مراحل دراسية في نفس الوقت، وهو ما يعد بيئة خصبة لتلك الأفعال الغريبة ولكنها اكتفت بقولها: أنا فهمت الولد :"لو حد قرب منك أو شعرت إنه هايغدر بك أصرخ بأعلى صوتك واجري.!"...

أما "نهاد محمود " ،أم لطفلين بإحدى المدارس التجريبيه بالجيزة ، فتؤكد أن مثل هذه الحوادث وقعت عدة مرات بالمدرسة، وكان معظم ضحاياها من أطفال الحضانة والسنين الأولى بالمرحلة الابتدائية.

وتضيف: المؤسف أنها تواجه بتعتيم كامل من الإدارة التي تطالب أولياء الأمور بتكتم الأمر، وكل ما فعلته هو تخصيص مدرس يقوم بمراقبة دورات المياه الخاصة بالصغار، لمنع طلبة إعدادي وثانوي من التسلل إليها.

"الحاجات دي موجودة طول الوقت وتحدث دائماً لكن الجديد أن الطالب اشتكى"، كان هذا رداً صادماً بالنسبة للبعض ولكنه الواقع من وجهة نظر "أمنية محمد"، أخصائية اجتماعية بإحدى مدارس اللغات بمدينة السادس من أكتوبر..

تعتقد أمنية أن المدرسة لا يمكن أن تتحمل أي مسئولية في موضوع التحرش الجنسي؛ لأن الأم قد تجد صعوبة في السيطرة على طفلين، فكيف يستطيع المدرس السيطرة على 40 أو 50 طفل في الفصل، كما أن موضوع التحرشات مرتبط بالتربية بشكل كبير وهي في البداية مسئولية الأسرة وليس المدرسة.

لا يوجد طفل شاذ!

" طفل شاذ، أرفض هذا المصطلح بشدة، فالطفل يولد سوياً وهو في تلك المرحلة لايمكن أن يصبح شاذا، ولكنه ربما يكون لديه واعز جنسي قوي يجعله يأتي بأفعال يمكننا أن نطلق عليها تحرشا جنسيا". هكذا تبدأ د. نيفين عبد الله ،مدير مركز أجيال للاستشارات والتدريب، حديثها عن هذه المشكلة الشائكة قائلة: الشذوذ علاقة جنسية كاملة تتم بين رجل ورجل على أن يحصل كل منهما على اللذة، وهي الشرط الأساسي لنطلق على الفعل مصطلح الشذوذ. أما أن يجبر طفل زميله على التخلي عن ملابسه وملامسته في مناطق حساسة من جسده أو ترهيبه فهو ليس شذوذاً بل تحرشا الهدف منه ليس اللذة بل الإذلال والترهيب والإهانة فقط"..

وعن تلك الأسباب التي ربما تدفع بطفل إلى الإقدام على مثل تلك الأفعال، توضح أن معظمها مرتبط بالأهل، وأنهم السبب الرئيسي لتلك التغيرات التي تطرأ على سلوكياته مؤكدة أن تعرض الطفل لهذا الفعل في الصغر وعدم قدرته على الدفاع عن نفسه من أهم هذه الأسباب، لذا يظل الصغير يتحين الفرصة للتعبير عن قوته عبر إتيان مثل ما فُعل فيه من قبل ولكن مع شخص ضعيف، وهو طفل آخر يتسم بالهدوء والعزلة وليس له أصدقاء غالباً.

وتعتبر د. نيفين أن افتقاد السلام النفسي لدى الطفل من أهم هذه الأسباب أيضا، وترى أنها مسئولية مشتركة بين أفراد الأسرة والطفل والمجتمع.

أما السبب الثالث فيتمثل في عدم وجود ضوابط اجتماعية لحكم العلاقة بين الطلاب في المدرسة، وهو ما تراه قطعاً مسئولية المدرسة ومدرسيها.

عودة للفضفضة

وتنبه المستشارة النفسية إلى أن افتقاد الابن ثقته لنفسه في أسرته وبين أهله يجعله شخصا مهزوزا نفسياً وغير قادر على اتخاذ قرار، وأن الأب والأم إذا ماتعمدوا إذلال الطفل أو إهانته سيبحث لنفسه عن مكان يظهر فيه قوته بعيدا عن المنزل.

وتنصح كل أم بغرس مفهوم خصوصية الجسد في نفوس أطفالها منذ الصغر، موضحة أن الطفل الذي يقوم بتلك الأفعال أو يقبل بفعلها فيه لا يدرك أن جسده غير مباح للآخرين، أو بالأحرى لم يتعلم ذلك.

وفي نهاية كلامها تؤكد د. نيفين أن كل

من الطفل المعتدي أو المعتدى عليه هما ضحية الأسرة التي تركتهم دون توعية، والمجتمع الذي أتاح لهم فرصة الانصياع لرغبات غير سوية، وتوصي بضرورة وجود علاقة قوية بين الإبن والأسرة خاصة الأم، معبرة عن ذلك بقولها" عودوا للفضفضة مع أبنائكم واعرفوا عنهم كل شيء".. منبهة إلى التأثير السلبي لأسلوب التخويف والنهي عن الاحتكاك عموما بالأصدقاء الذي قد تقع فيه بعض الأمهات.

المفاتيح الخمسة

"ربما يكمن الحل في طريقة جذابة للحديث عن الموضوع أو عرض فيلم كارتون يناقش فكرة الجنس " كانت هذه كلمات "رضوى أسامة"، باحثة ومعالجة نفسية، التي وضعت مجموعة من الحلول تستطيع الأسرة من خلالها مواجهة هذه السلوكيات المرفوضة من قبل الأطفال قائلة:

يجب أن يكون لدينا خطة كاملة للحوار مع صغارنا عن الانتهاكات الجنسية فى أعمار مبكرة من حياتهم، مثل استغلال حادثة طالب مصر الجديدة والأخبار التي نشرت في الصحف عن الموضوع لتكون بداية توضيح بعض المفاهيم عن فكرة التحرش".

وتكمل :"كما أن هناك فيلم كارتون بعنوان (مهم جدا) يتحدث عن الانتهاكات الجنسية ويسهل الحصول عليه وتحميله من خلال الانترنت مجانا، وهو من إعداد المركز المصرى لحقوق المرأة ويعرض للأطفال ،خاصة الأعمار المبكرة، كيفية حماية أنفسهم من التحرشات الجنسية، إذا شاهده الطفل مع والديه يمكننا حل كثير من رموز تلك المرحلة.

وتقترح رضوى استخدام عدد من المفاتيح للحديث مع الأبناء حول هذا الموضوع ركزت فيها على خمسة محاور رئيسية هى ( إعرف – أخبر – أُرفض – إهرب – إستشير) تشرحها قائلة:

- يجب أن يعرف الطفل فى البداية الكثير عن الانتهاكات الجنسية التي من الممكن أن يتعرض لها وفقا لسنه، ويبدأ ذلك في سن الثالثة حتى إذا ما بلغ العاشرة من عمره يكون قد طفل استطاع استيعاب كل تلك الأمور

- على الأم أن تحرص على وجود علاقه قائمة بالفعل بينها وبين طفلها، وبهذا سيحكى لها عن قصص يخبرها من خلالها بكل ما يحدث معه.

- الاهتمام بتعليم الطفل مهارات الرفض، كرفض الذهاب إلى مكان لا يطمئن إليه أو دعوة شخص لا يعرفه جيدا، وأنه ليست هناك أى سلطه ستمنع حصوله على حقوقه ، وهذا مهم جدا.

- مناقشته في كيفية الهروب من مواقف تورط فيها بالفعل، وإشراكه في وضع خطط تعينه على الهروب، وكلما كانت هذه الخطط واقعية كلما كانت أفضل.

- تعريفه بأن هذا الخطر موجود وتعليمه مهارات التعامل معه فذلك يبعث فيه الشعور بالإطمئنان بأنه قادر على مواجهة ذلك وحده.

- فى حالة حدوث الانتهاك يجب أن يثق الآباء أن هناك أشخاصاً يمكن استشارتهم ونقصد بهم الأخصائيين النفسين والأطباء، وأن يبثوا هذه الثقة في نفس الإبن الضحية كي يتأكد أن لكل مشكلة حل وأن ماحدث ليس نهاية العالم.

"أظن أننا يجب أن نكسر دائرة الصمت حول مثل هذه الموضوعات، وألا نشعر بالحرج فى الحديث عنها مع أبنائنا لأن الخطر الآن واقعى ويزحف بشدة إلينا". بهذه الجملة تنهي الباحثة حديثها ويبدو أنها الكلمات المناسبة لإنهاء موضوع بمثل هذه الخطورة..

 

أهم الاخبار